شيء للوطن| م.صلاح غريبة يكتب …… معركة الوعي والسيادة: الإعلام والمخابرات في جبهة الوطنية الواحدة

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

معركة الوعي والسيادة: الإعلام والمخابرات في جبهة الوطنية الواحدة

تؤكد التحولات الجيوسياسية والعسكرية التي يمر بها السودان أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في ميادين القتال الميداني عبر أزيز الرصاص ودوي المدفعية، بل تُخاض بضراوة متكافئة على جبهات الرأي العام وبناء الرواية الوطنية. وفي هذا السياق المعقد، تأتي تصريحات مدير جهاز المخابرات العامة، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، خلال ملتقى الإعلاميين السودانيين بالخرطوم، لترسم ملامح مرحلة جديدة من إعادة تموضع مؤسسات الدولة الأسبقية نحو مفهوم “الأمن القومي الشامل”.
يمثل ظهور قيادة المخابرات العامة وسط الإعلاميين -ودون حواجز تقليدية- رسالة رمزية ودلالة عملية بالغة الأهمية. إنها تعكس تعافي العاصمة واستعادتها مركزيتها الإدارية والأمنية، إلى جانب تحول نهج العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الصحفية من دائرة الريبة والتوجس التاريخية إلى نموذج الشراكة التضامنية. فالصراع الراهن، بوصفه حرباً استثنائية تستهدف وجود الدولة السودانية ومؤسساتها، يفرض على القلم والبندقية الوقوف في خندق واحد لحماية الأمن القومي وتفكيك المخططات العابرة للحدود.
من أبرز مضامين الخطاب السياسي والأمني للجهاز التأكيد على عدم استخدام “سيف القانون” للبطش أو التضييق على حرية التعبير، بل باعتباره مرجعية مؤسسية لضبط الأداء وحماية الحقوق. إن هذا الطرح يؤسس لدولة المؤسسات والعدالة، ويُسقط الذرائع التي تحاول تصوير الصراع على أنه معركة بين أطراف عسكرية وصحفية، مشدداً في الوقت ذاته على أن التعبير المسؤول جزء لا يتجزأ من الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
شملت الرسائل الموجهة زوايا حيوية تمس صلب الأزمة السودانية، تخص تطهير التراب الوطني والتأكيد الحاسم على استمرار العمليات العسكرية حتى بسط السيطرة الكاملة، مع الإبقاء على أبواب السلام مفتوحة لمن يضع السلاح، مما يعكس توازناً بين القوة الرادعة والرغبة في الاستقرار، وإدارة الملف الإقليمي بالإشارة إلى ضرورة قيادة حوار موضوعي مع دول الجوار تحمل تقديراً عميقاً لدور الإعلام في تعزيز الدبلوماسية الشعبية، متضمنةً تحذيراً ضمنياً للدول المحرضة بأن التغاضي عن التدخلات الخارجية لن يستمر على حساب الأمن القومي لبلادنا، بالإضافة إلى رتق النسيج الاجتماعي وإسناد مهمة إخماد الفتن والتجذير القبلي إلى الإعلاميين باعتبارهم رأس السهم في إعادة اللحمة الوطنية و تجاوز خطابات الكراهية التي أججتها النزاعات.
إن الدعوة للالتفاف حول الحوار السوداني-السوداني المستقل تتجاوز الاصطفافات السياسية الضيقة، إذ تشير إلى أن مصلحة السودان واستقراره تعلو فوق أي أجندات حوارية خارجية أو مكاسب حزبية. إن بناء الرواية الإعلامية الوطنية المتماسكة، والدفاع عن سيادة الوطن ومؤسساته، يمثل الرد الحقيقي على ممارسات العمالة والتدخلات الأجنبية.
يمر السودان بمركّب استثنائي من التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، تتطلب حشداً لكافة الطاقات الوطنية. وتظل الشفافية والمسؤولية الإعلامية، مع الوعي الاستخباري المتقدم، الحصن المنيع لتثبيت أركان الدولة واستعادة عافيتها لتنطلق بثبات نحو التنمية والسلام المستدام.

 

 

Comments (0)
Add Comment