من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… معادلة التعافي في الشمالية: عندما تتكامل حكمة الخبرة مع جسارة الشباب

 

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

معادلة التعافي في الشمالية: عندما تتكامل حكمة الخبرة مع جسارة الشباب

تخوض الولاية الشمالية هذه الأيام سباقاً محموداً مع الزمن؛ ليس لتنظيم تظاهرة بروتوكولية تُضاف إلى سجل الفعاليات العابرة، بل لتأسيس مدرسة تنموية جديدة في إدارة أزمات ما بعد الصدمة وتدشين مسارات الإعمار. يبرز مؤتمر التعافي الوطني المزمع انعقاده في حاضرة الولاية «دنقلا» كعلامة فارقة، لا لكونه مجرد منبرٍ لتداول الرؤى، بل لأنه يضع اليد على المعادلة الغائبة التي تعثرت دونها الكثير من المبادرات: حتمية التكامل العضوي بين طاقة الشباب الجسورة وحكمة الخبرة التراكمية.
إن خطوة “الهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني” بالانفتاح على الرموز المجتمعية، والخبراء الأكاديميين، والتنفيذيين السابقين، تتجاوز حدود المجاملات الرمزية. إنها تعكس نضجاً وطنياً ووعياً استراتيجياً عميقاً؛ إذ أدرك هؤلاء الشباب أن إعادة بناء الأوطان لا تقوم على أنقاض القطيعة مع الماضي أو الاستعلاء على تجاربه، بل تنطلق من استيعاب دروسه واستثمار عصارته المؤسسية والمجتمعية لتفادي أخطاء البدايات.
أولاً: الشمالية.. من ملاذ آمن إلى قاطرة إنتاج
لا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن التحول الديمغرافي والاقتصادي الهائل الذي شهدته الولاية الشمالية؛ فالولاية لم تعد مجرد عمق جغرافي هادئ، بل تحولت إلى ملاذ آمن استقبل مئات الآلاف من الأسر النازحة ورؤوس الأموال الوطنية المهاجرة من مناطق النزاع.
هذا الضغط السكاني المفاجئ، الذي وضع مرافق الصحة والتعليم والكهرباء والمياه أمام اختبار قاسٍ، يحمل في باطنه فرصة اقتصادية غير مسبوقة:
* مخزون الموارد والأرض: تمتلك الشمالية ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وتستأثر بأكثر من 400 كيلومتر على شريط النيل، فضلاً عن المياه الجوفية بحوض النوبة الرملي، وميزتها النسبية في المحاصيل النقدية والاستراتيجية (القمح، التمور، الأعلاف، والبقوليات).
* توطين الكفاءات والصناعات: انتقال آلاف الكوادر الهندسية والطبية ورجال الأعمال إلى مدن الولاية (دنقلا، مروي، الدبة، وحلفا) يخلق بيئة خصبة لتوطين الصناعات التحويلية والزراعية وتطوير سلاسل القيمة بدلاً من تصدير المحاصيل كخامات أولية.
ثانياً: تلازم الأمن والتنمية.. يد تبني وأخرى تحمي
يقف السودان اليوم أمام معادلة دقيقة تترجمها مقولة “يد تعمّر ويد تحمل السلاح”.
فالاستقرار الأمني والعسكري—على أسبقيته وحتميته الوجودية—يظل مهدداً بالانتكاس ما لم يُحصّن بظهير تنموي متين يمتص البطالة، ويفتح مسارات الأمل أمام جيل الشباب، ويؤمّن سبل المعاش للمواطنين والوافدين على حد سواء.
وهنا تبرز نقطة القوة في حراك دنقلا: التحول الحقيقي من “منطق الإغاثة الطارئة والمبادرات العاطفية”
إلى “منطق المشاريع الهيكلية والتخطيط المستدام”.
فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه المساعدات العينية، بل تصنعه محطات الطاقة الشمسية للمشاريع الزراعية، وفتح قنوات التمويل الأصغر، وتأسيس الجمعيات الإنتاجية للشباب، وتأهيل البنى التحتية للتجارة والمعابر الحدودية مع دول الجوار.
ثالثاً: شروط العبور.. من التوصيات إلى الميدان
إن نجاح مؤتمر الشمالية لن يُقاس بجمال الصياغات في البيان الختامي، بل بقدرة قيادته على تحويل حكمة الشيوخ وعنفوان الشباب إلى تدابير تنفيذية محكومة بمؤشرات أداء وجداول زمنية صارمة:
* تأسيس مصفوفة استثمارية تفاعلية: تحويل الفرص الزراعية والصناعية والتعدينية بالولاية إلى مشروعات دراسات جدوى جاهزة للتمويل، تربط مدخرات المغتربين والنازحين بفرص الإنتاج المحلي تحت مظلة حوافز وضمانات شفافة.
* صندوق ولائي للتعافي وإسناد المبتكرين: يُدار بكفاءة وشفافية لتمويل حاضنات الأعمال الشبابية والمشاريع الريفية المنتجة، لتقليل تكلفة الإنتاج الزراعي والتحول نحو الطاقات البديلة.
* مأسسة الشراكة المجتمعية: تشكيل مجالس استشارية تجمع الخبرة التاريخية بالإدارة التنفيذية لترشيد القرار العام ومنع تضارب الصلاحيات أو إهدار الموارد الشحيحة.
كلمة أخيرة..
إن تجربة التعافي في الولاية الشمالية مؤهلة اليوم لأن تكون أكثر من مجرد حدث ولائي؛ إنها مختبر وطني لصناعة الأمل. فإذا استطاعت دنقلا أن تُبرهن عملياً على أن احتشاد حكمة المجربين خلف عزيمة الشباب قادر على إحياء الأرض وامتصاص الصدمات وتحريك عجلة الاقتصاد، فإن الشمالية لن تكتفي بحماية أمنها الغذائي واستقرارها، بل ستقدم الدليل والأنموذج الذي ستقتفيه سائر ولايات السودان غداً، حين تضع الحرب أوزارها وتبدأ ملحمة البناء الكبرى.

 

 

 

Comments (0)
Add Comment