تعقيب على القراءة النقدية لمقال
«القرآن لا يبحث عن دولة إسلامية بل يبني أمةً مستخلفة»
ا.د طارق الصادق
اولا أشكر الدكتور خالد حسين محمد على اهتمامه بالمقال ومحاولته إخضاع أطروحته للنقد. غير أن النقد العلمي لا تُقاس قوته بكثرة المآخذ التي يسجلها، بل بمدى دقة تمثيله لأطروحة النص، وتمييزه بين نوع النص وحدوده، ثم بناء الاعتراض على ما قاله الكاتب فعلًا، لا على نتائج لم يقل بها.
ومن هذه الزاوية، تبدو القراءة النقدية قد انطلقت من افتراض غير صحيح، ثم بنت عليه معظم اعتراضاتها.
إذ تعاملت مع المقال كما لو كان يقول: إن القرآن يرفض الدولة، أو يدعو إلى تأجيلها حتى يكتمل بناء الأمة، أو يقيم تعارضًا بين الأمة والدولة، بينما الفكرة المركزية للمقال مختلفة: القرآن لا يجعل مجرد الاستيلاء على السلطة، أو رفع لافتة “الدولة الإسلامية”، نقطة البداية المولِّدة للمشروع الحضاري، وإنما يؤسس الإنسان والأمة القادرين على حمل أمانة الاستخلاف وإدارة الدولة بالعلم والعدل والشورى والمسؤولية.
فالمقال لا ينفي ضرورة الدولة، وإنما ينقد اختزال المشروع الإسلامي فيها
أولًا: هل بُنيت الأطروحة على آية واحدة؟!
القول إن المقال بنى “نظرية كلية” على قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ وعلى سورة النمل وحدها، لا يمثل بنية المقال تمثيلًا دقيقًا. المقال الصحفي بطبيعته يقدم الفكرة المركزية وأبرز شواهدها، ولا يسرد جميع الأدلة التي يقوم عليها المشروع الفكري الذي ينتمي إليه.
ثم إن فكرة الاستخلاف في القرآن لا تتأسس على آية البقرة وحدها، وإنما تنتظم في شبكة واسعة من المفاهيم والآيات، منها:
* الاستخلاف في الأرض.
* الأمانة والتكليف.
* الشهادة على الناس.
* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* إقامة القسط.
* الشورى.
* الطاعة المقيدة بالمرجعية.
* التمكين المشروط بالإيمان والعمل والإصلاح.
* التداول والتدافع.
* المسؤولية الفردية والجماعية.
* السنن الحاكمة لنهوض الأمم وسقوطها.
أما الآيات التي ذكرها الناقد، فهي لا تنقض أطروحة المقال، بل تؤكدها. فقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ لا يقرر سلطة مطلقة، بل يضع السلطة داخل منظومة مرجعية وأخلاقية، ويأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول. وآيات الحكم بما أنزل الله تقرر مرجعية الحكم ولا تقرر أن الوصول إلى جهاز الدولة يسبق بناء الإنسان والأمة وقد ذهب الشيخ الشعراوي في تفسير وشرح هذه الاية بقوله:”ان المولى عز وجل لم يفرد لولي الامر طاعه ولم يكرر الطاعه عند ذكرهم بل جعلها من ضمن طاعة الله والرسول” وهذا ليس تقليل منها انما توضيح موقعها وكيفيتها . كما أن آية الاستخلاف في سورة النور نفسها تربط التمكين بالإيمان والعمل الصالح والعبادة والأمن؛ أي إنها تجعل التمكين ثمرةً لبناء سابق ومتصل، لا بديلًا عنه.
إذن، الإشكال ليس في غياب تلك الآيات، بل في تصور الناقد أنها تؤيد أولوية الاستيلاء على السلطة، مع أنها تربط السلطة بمنظومة أوسع من التكليف والإيمان والقسط والمسؤولية.
ثانيًا: المقال الصحفي ليس دراسةً استعراضية للمدارس السياسي
يأخذ الناقد على المقال أنه لم يناقش المودودي وسيد قطب وحسن البنا والخميني والغنوشي وغيرهم. وهذا الاعتراض يخلط بين المقال الفكري المكثف والبحث الأكاديمي المقارن.
فالمقال لم يعلن أنه دراسة مقارنة في نظريات الدولة والحاكمية، ولم يتخذ أحد هؤلاء المفكرين موضوعًا له حتى تلزمه مناقشتهم واحدًا واحدًا. ولو كان كل مقال مطالبًا باستعراض جميع من كتبوا في موضوعه، لتحول المقال إلى قائمة أسماء ومراجع، وضاعت فكرته المركزية.
والأهم أن وضع هؤلاء المفكرين جميعًا في «مدرسة مخالفة» واحدة يفتقر هو نفسه إلى الدقة؛ فبينهم اختلافات عميقة في تصور الدولة والحاكمية والأمة والعمل الاجتماعي والديمقراطية والفقه السياسي. ومن ثم فإن جمعهم في سلة واحدة ثم مطالبة المقال بتفنيدهم لا يمثل منهجًا مقارنًا، بل تبسيطًا لمدارس شديدة التباين.
ثالثًا: أولوية الأمة لا تعني غياب الدولة أو تأجيلها
السؤال: «كيف تُبنى الأمة في غياب الدولة الحامية؟» يقوم على ثنائية لم يقررها المقال أصلًا: إما بناء الأمة وإما وجود الدولة.
الدولة موجودة في الواقع المعاصر، سواء كانت عادلة أم مستبدة، وطنية أم تابعة، قوية أم هشة. والمقال لا يقترح فراغًا سياسيًا تُلغى فيه الدولة ريثما يُستكمل بناء الأمة، وإنما يناقش نقطة البداية في مشروع الإصلاح الإسلامي: هل يبدأ الإصلاح بالاستيلاء على السلطة، أم ببناء الإنسان والمؤسسات والوعي والقيم والكفايات التي تجعل الدولة نفسها أداةً للاستخلاف لا جهازًا جديدًا للهيمنة؟
ثمة فرق حاسم بين:
* وجود الدولة بوصفها ضرورة لتنظيم المجتمع.
* واختزال المشروع الإسلامي في السيطرة على الدولة.
كما أن العلاقة بين الأمة والدولة ليست علاقة انتظار زمني؛ فلا يكتمل بناء الأمة في يوم معين ثم تبدأ الدولة في اليوم التالي. العلاقة تفاعلية: تبني الأمة مؤسسات الدولة، وتسهم الدولة العادلة في حماية الأمة وتنمية قدراتها. لكن التفاعل لا يلغي الأولوية المرجعية؛ فالدولة بلا أمة واعية ومؤسسات حية وقيم حاكمة قد تتحول إلى جهاز قهري يحتكر الدين والسلطة معًا.
رابعًا: الاستدلال بالمرحلة المكية ليس تحويلًا آليًا للتاريخ إلى قانون
لم يقل المقال إن على كل مجتمع أن يعيد التجربة المكية حرفيًا، أو أن يعيش عددًا مماثلًا من السنوات قبل إقامة مؤسساته السياسية. هذا فهم حرفي لا تحتمله الأطروحة.
الاستدلال بالسيرة هنا استدلال بالمنطق التأسيسي، لا استنساخ ميكانيكي للمراحل التاريخية. فقد بدأ الوحي ببناء التصور، وتحرير الإنسان من العبوديات، وتكوين الجماعة المؤمنة، وترسيخ المسؤولية والصبر والانضباط، قبل أن تتاح لهذه الجماعة سلطة سياسية. وعندما قامت الدولة في المدينة لم تبدأ من فراغ بشري، بل قامت على جماعة تكون وعيها ورسالتها وأخلاقها وقدرتها على التضحية.
هذه دلالة سننية قابلة للاعتبار، وليست وصفةً زمنية جامدة. بل إن القرآن نفسه يدعو إلى الاعتبار بالتاريخ؛ فلو كان اختلاف السياقات يمنع استخراج السنن، لفقد القصص القرآني جانبًا أساسيًا من وظيفته المعرفية.
خامسًا: غياب الهوامش لا يبرر التلميح إلى إعادة إنتاج أفكار الآخرين
المقال الفكري المنشور في صحيفة ليس ملزمًا بالبنية التوثيقية نفسها المطلوبة في البحث المحكم، أما إذا حُوِّلت أطروحته إلى بحث علمي، فحينئذ تصبح مراجعة الأدبيات والتوثيق والمقارنة متطلبات ضرورية.
لكن الانتقال من غياب الهوامش إلى “شبهة إعادة إنتاج أفكار الآخرين دون نسبتها إليهم” انتقال غير علمي؛ لأن تشابه المجال العام لا يثبت الاقتباس ولا إعادة الإنتاج. أفكار الأمة والاستخلاف والشهادة والتمكين ليست ملكًا لمالك بن نبي أو الغنوشي أو غيرهما، بل هي مفاهيم قرآنية تداولها الفكر الإسلامي عبر عصوره.
وإذا أراد الناقد إثبات إعادة إنتاج فكرة بعينها، فعليه أن يقدم نصًا سابقًا محددًا، ونصًا مقابلًا من المقال، ويبين موضع التطابق أو الاعتماد، أما إطلاق الشبهة دون دليل نصي فليس نقدًا توثيقيًا، بل اتهام احتمالي لا يليق بالقراءة العلمية
سادسًا: مفهوم الدولة الحديثة لا يبطل سؤال الدولة في القرآ
صحيح أن القرآن لم يستخدم مفهوم الدولة الوستفالية بحدودها وسيادتها وبيروقراطيتها الحديثة. لكن هذه الملاحظة لا تنقض المقال؛ لأن المقال نفسه ينتقد إسقاط هوس الدولة الحديثة على المشروع القرآني واختزال الإسلام في السيطرة على جهازها.
والقرآن، وإن لم يقدم مصطلح «الدولة القومية الحديثة»، عالج الوظائف والمعاني التي لا تقوم سلطة سياسية بدونها: الحكم، والملك، والطاعة، والشورى، والقضاء، والعدل، والجيش، والعلاقات بين الجماعات، وتدبير الموارد، وحماية المجتمع، ومساءلة الحكام
عدم ورود المصطلح الحديث لا يعني غياب الظاهرة السياسية. وإلا لوجب القول إن القرآن لا يعرف الاقتصاد أو المجتمع أو التربية؛ لأن هذه المصطلحات بصيغها الاصطلاحية الحديثة لم ترد فيه. المنهج الصحيح هو التمييز بين المفهوم الحديث وبين الأصول والوظائف والمعايير القرآنية ذات الصلة، لا إلغاء البحث بسبب اختلاف المصطلحات.
سابعًا: هل خلط المقال بين الأمة والمجتمع والجماعة
أشار الناقد إلى وجود خلط بين هذه المفاهيم، لكنه لم يورد مواضع نصية محددة تثبت هذا الخلط. والتمييز بينها ضروري بالفعل
* الإنسان هو حامل التكليف والمسؤولية.
* الأسرة هي المجال الأول للتنشئة.
* الجماعة بناء منظم يجمع أفرادًا حول مرجعية أو غاية.
* المجتمع شبكة العلاقات والمؤسسات والنظم.
* الأمة جماعة رسالية تجمعها مرجعية وقيم وشهادة تاريخية.
* الدولة تنظيم سياسي وقانوني يدير الشأن العام.
* الحضارة حصيلة ممتدة لتفاعل القيم والمعرفة والعمران والمؤسسات.
استخدام هذه المفاهيم في سياق واحد لا يعني الترادف بينها. وإذا كانت هناك عبارة في المقال توهم التداخل، فيمكن تحريرها اصطلاحيًا، لكن لا يصح تحويل احتمال الصياغة إلى حكم بأن الأطروحة كلها تقوم على خلط مفاهيمي.
ثامنًا: قوة سليمان لا تعارض الأطروحة، بل تؤكدها
قال الناقد إن المقال قرأ سورة النمل انتقائيًا وتجاهل جيش سليمان وتهديده لبلقيس. وهذا الاعتراض من أكثر الاعتراضات دلالة على سوء فهم الأطروحة.
المقال لا ينفي القوة، وإنما يرفض أن تكون القوة نقطة البداية أو المصدر الوحيد للشرعية. سليمان في سورة النمل لم يُقدَّم أولًا بوصفه صاحب جيش، بل بوصفه نبيًا أوتي علمًا، وفهم منطق المخلوقات، وأدار المعلومات، وتثبت من الأخبار، وشاور مجلسه، واختبر الكفايات، واستخدم الرسالة والحجة قبل القوة.
وجود الجيش لا يهدم نموذج الاستخلاف؛ بل الاستخلاف المسؤول يحتاج إلى قوة تحمي العدل. والفرق كبير بين “القوة في خدمة الرسالة” و”الرسالة في خدمة القوة”.
كما أن قول سليمان: ﴿فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها﴾ جاء بعد إرسال الكتاب، وتلقي الخبر، واستجابة بلقيس بالهدية، ولم يكن عدوانًا لمجرد التوسع، بل جزءًا من مواجهة نظام جعل قومه يسجدون للشمس من دون الله. ثم إن النهاية لم تكن إبادة سبأ ولا نهبها، وإنما إعلان بلقيس: ﴿وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. ولا ينبغي إغفال عبارة «مع سليمان»؛ فهي لا تصور ذوبانًا في شخص الحاكم، بل اجتماعًا تحت مرجعية الله.
تاسعًا: الترتيب المذكور بنائي لا زمني ميكانيكي
صيغة”الإنسان، فالأسرة، فالمجتمع، فالأمة، فالدولة” لا تعني أن كل كيان ينتهي تمامًا قبل أن يبدأ الكيان التالي، هذا ترتيب بنائي ومنطقي، لا جدول زمني مغلق
فالأسرة لا توجد بلا أفراد، والمجتمع لا يتكون بلا أسر وعلاقات، والأمة لا تقوم بلا وعي جمعي ومرجعية، والدولة لا تعمل بكفاءة بلا مجتمع ومؤسسات وكفايات. نعم، هذه المستويات تتشكل بالتوازي وتتفاعل؛ لكن التفاعل لا يلغي التأسيس.
البناء المتوازي نفسه يحتاج إلى معرفة ما هو الأصل وما هو الأداة. الإنسان ليس موظفًا ثانويًا في جهاز الدولة؛ بل الدولة وُجدت لخدمة الإنسان وإقامة العدل بين الناس. فإذا انقلبت الوسيلة إلى غاية، تحولت الدولة إلى سلطة تستنزف الأمة بدل أن تمثلها.
عاشرًا: تعدد أسباب التعثر لا ينفي أثر الخلل في ترتيب الأولويات
لم يقل المقال إن تقدم السلطة على بناء الأمة هو السبب الوحيد لتعثر جميع التجارب الإسلامية. النقد هنا ينسب إلى المقال تفسيرًا أحاديًا ثم يعترض عليه بتعدد الأسباب.
التدخل الخارجي والفساد والاستبداد والفقر وضعف الإدارة أسباب حقيقية. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا عجزت بعض التجارب عن مقاومة هذه العوامل أو معالجتها؟ أليس ضعف المؤسسات، وهشاشة الوعي العام، وغياب المشاركة والمحاسبة، وضعف التأهيل، وتحويل الجماعة الحاكمة إلى بديل عن الأمة، من العوامل التي سمحت للفساد والاستبداد والاختراق الخارجي بالتمدد
القول بوجود أسباب متعددة لا يلغي تحليل أحدها، كما أن تحديد الخلل في ترتيب الأولويات لا يعني ادعاء أنه التفسير الوحيد.
الحادي عشر: الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للدولة القومي
وصف بناء الأمة الشاهدة بأنه”مثالي” لأن العالم تحكمه المنافسة الجيوسياسية يقلب القضية رأسًا على عقب. فالمنافسة الجيوسياسية هي أحد أقوى الأسباب التي تجعل بناء أمة واعية ومنتجة ومتماسكة ضرورة، لا ترفًا.
الدولة التي لا تحملها أمة ذات وعي وكفاية ومؤسسات تصبح أكثر قابلية للاختراق والتبعية والانقلاب والحرب الأهلية، وقد تمتلك جيشًا وأجهزة أمن، لكنها تظل عاجزة عن حماية وحدتها لأن الحماية ليست عسكرية فقط؛ بل معرفية واقتصادية واجتماعية وقيمية
المقال لا يقترح انتظارًا طويلًا بلا حماية، بل يدعو إلى بناء القوة بمفهومها الشامل: قوة العلم، والاقتصاد، والمؤسسات، والتماسك الاجتماعي، والإرادة، والإدارة، إلى جانب القوة العسكرية.
الثاني عشر: البعد الاقتصادي والمصلحي جزء من العمران لا بديل عن القي
المطالبة بإدخال الاقتصاد والمصالح والطبقات مشروعة إذا كان النص بحثًا اجتماعيًا شاملًا. لكنها لا تصلح دليلًا على خطأ مقال مركز يناقش أولوية الأمة والاستخلاف.
ومع ذلك، فإن مشروع الاستخلاف لا يمكن أن يقتصر على الوعظ القيمي؛ فهو يتناول إنتاج الثروة وتوزيعها، ومحاربة الاحتكار والفساد، وإدارة الموارد، وحماية الضعفاء، وإقامة القسط، وتحويل القيم إلى مؤسسات وسياسات. لكن إدراج كل هذه الأبعاد في مقال واحد كان سيبدد وحدته المضمونية
كما ينبغي الحذر من جعل العامل الاقتصادي أو الطبقي تفسيرًا كليًا مضادًا للتفسير القيمي؛ فذلك يعيد إنتاج الاختزال نفسه بصورة مادية
الثالث عشر: الاستشهاد بالفرس والروم والعباسيين لا ينقض الأطروحة
والقول إن الحضارات الفارسية والرومانية والعباسية قامت بالقوة قبل أن تتشكل الأمة يخلط بين نشأة الإمبراطوريات ونشأة الحضارات، وبين التوسع العسكري والبناء الحضاري.
فالقوة قد تؤسس إمبراطورية، لكنها لا تنتج وحدها حضارة، الحضارة تحتاج إلى معنى جامع، ونظام قيم، ومعرفة، ولغة، ومؤسسات، وتعليم، واقتصاد، وتراكم تاريخي. وقد فتحت إمبراطوريات كثيرة أراضي واسعة ثم انهارت دون أن تنتج حضارة متماسكة
أما الدولة العباسية فلم تنشأ قبل الأمة الإسلامية، بل جاءت بعد أكثر من قرن من قيام الجماعة الإسلامية والدولة وانتشار العربية وتشكل مؤسسات العلم والفقه والإدارة. ومن ثم فإن الاستشهاد بها لإثبات أن الدولة سبقت الأمة تاريخيًا غير مستقيم.
والأدق أن نقول إن الدولة والأمة والحضارة تتفاعل، لكن السلطة العسكرية وحدها لا تفسر الإنتاج الحضاري، وقد تكون أداةً لحمايته أو أداةً لتدميره.
الرابع عشر: المقال لا يشترط “اكتمال الأمة” قبل الدولة
سؤال الناقد: “متى نقول إن الأمة اكتملت فيصبح تأسيس الدولة؟” مبني مرة أخرى على نتيجة لم يقل بها المقال، انما في قصور فهم، الأمة لا تكتمل اكتمالًا نهائيًا، والدولة ليست مكافأة تنتظرها بعد بلوغ درجة محددة
الأمة والدولة عمليتا بناء مستمرتا، المطلوب ليس انتظار الكمال، وإنما منع الانقلاب المنهجي الذي يجعل الوصول إلى السلطة بديلًا عن البناء
ويمكن تحويل أطروحة المقال إلى مؤشرات قابلة للقياس، من قبيل
* مستوى سيادة القانون واستقلال القضاء.
* درجة المشاركة والشورى والمساءلة.
* كفاءة المؤسسات وقدرتها على الاستمرار بعيدًا عن الأشخاص.
* جودة التعليم وإنتاج المعرفة.
* عدالة توزيع الفرص والموارد.
* مستوى الثقة والتماسك الاجتماعي.
* حماية الحقوق والكرامة الإنسانية.
* قدرة المجتمع على تداول السلطة سلميًا.
* استقلال القرار الوطني.
* توظيف القوة لحماية العدل لا لحماية الحاكم
هذه ليست شروطًا لبدء الدولة، بل مؤشرات على انتقال الدولة من مجرد سلطة إلى أداة للاستخلاف والعمران.
وقصارى القول ان القراءة النقدية قد تكون أثارت أسئلة مهمة كان يمكن أن تسهم في تطوير المقال، لكنها أضعفت نفسها بأربعة اختلالات أساسية:
1. حملت المقال ما لم يقله، فساوت بين أولوية بناء الأمة وإنكار ضرورة الدولة.
2. خلطت بين متطلبات المقال الفكري ومتطلبات البحث الأكاديمي المحكم.
3. قدمت اعتراضات على صورة خطية جامدة للأطروحة، مع أن العلاقة المطروحة تفاعلية وبنائية.
4. أطلقت أحكامًا كبيرة، مثل الانتقائية وإعادة إنتاج أفكار الآخرين والمثالية، دون تحليل نصي كافٍ أو إثبات مقارن.
نعم، يمكن تطوير المقال إلى بحث موسع يحرر المفاهيم، ويستوعب سائر الآيات المتصلة بالحكم والتمكين، ويقارن مدارس الفكر السياسي الإسلامي، ويفحص نماذج تاريخية ومعاصرة، ويضع مؤشرات تطبيقية. لكن قابلية الفكرة للتوسعة لا تعني أن أصلها ضعيف، ولا أن المقال “مسودة وعظية” كما يدعي الناقد.
الأطروحة لا تقول: لا دولة قبل اكتمال الأمة.
وإنما تقول: لا تكفي تسمية الدولة إسلامية إذا لم تبنِ إنسانًا مستخلفًا، وأمةً شاهدة، ومؤسساتٍ عادلة؛ لأن الدولة التي تسبق شروطها المعرفية والأخلاقية والمؤسسية قد تنجح في امتلاك السلطة، لكنها تفشل في تحقيق الاستخلاف.
وهنا يكمن الفارق بين مشروع يبحث عن حكمٍ باسم الإسلام، ومشروع يسعى إلى إقامة العدل والعمران والهداية من خلال أمة تحمل رسالة الإسلام.