تشهد الموازنات الخضراء تطورًا متسارعًا حول العالم؛ حيث تبنتها العديد من الدول كأداة رئيسة لدمج الأهداف البيئية والمناخية ضمن السياسات المالية، ورغم التحديات التي تواجه الدول في تصميم الموازنات الخضراء، فإن هناك العديد من الخطوات الإيجابية التي اتخذتها دول العالم في تبني التحول نحو الموازنة الخضراء، وفيما يلي أبرز التجارب الدولية في ذلك الصدد:
أولًا، تجربة فرنسا:
تعد فرنسا من أوائل الدول التي طبقت الموازنة الخضراء بشكل منهجي، وقد تم إرساء عملية الموازنة الخضراء بموجب المادة 179 من قانون المالية رقم 2019-1479 الصادر في 28 ديسمبر 2019، وتم تطبيقها لأول مرة على موازنة عام 2020.
هذا، وقد تم إنشاء فريق عمل مشترك بين الوزارات لقيادة عملية الموازنة الخضراء، ويضم ممثلين عن وزارة المالية ووزارة التحول البيئي. وتتولى مديرية الموازنة مسؤولية الإشراف على هذه العملية، وتقديم الإرشادات والمشورة للوزارات القطاعية في تطبيق منهجية الموازنة الخضراء.
ومن الجدير بالذكر أن هيئات المجتمع المدني ومراكز الفكر في فرنسا تشارك بشكل وثيق في النقاشات الدائرة حول الموازنة، كما تُبدي وسائل الإعلام تفاعلًا ملحوظًا مع تقارير الموازنة الخضراء.
اتصالًا، تسير عملية إعداد الموازنة الخضراء في فرنسا بالتوازي مع دورة إعداد الموازنة، والتي تبدأ في فصل الربيع؛ فمن يناير إلى أبريل، يقوم فريق العمل الوزاري المشترك للموازنة الخضراء بإعداد تصنيف بيئي لبنود الموازنة، يشمل تعميقًا للتحليلات السابقة، ويُناقش لاحقًا مع الوزارات القطاعية خلال مؤتمرات الأداء. وخلال فصل الصيف، يقوم فريق العمل بإعداد تقرير الموازنة الخضراء، والذي يتم تحديثه في سبتمبر ليشمل التدابير الجديدة الواردة في مشروع الموازنة، قبل أن يتم نشره وإرساله إلى البرلمان.
واعتبارًا من عام 2023، تم دمج الموازنة الخضراء في عملية إعداد الموازنة الاعتيادية؛ حيث أصبحت الوزارات القطاعية تُجري عملية التصنيف البيئي للتدابير المقترحة من قبلها، وذلك بهدف أخذ الأثر البيئي للتدابير المقترحة في الاعتبار بشكل أفضل ضمن عملية اتخاذ القرار. ويعني ذلك أن التصنيفات البيئية وآثار التدابير المخططة يجب أن تُناقش مع الوزارات القطاعية في أثناء مرحلة إعداد الموازنة، وقبل عرض مشروع قانون الموازنة على البرلمان.
هذا، ويتضمن تقرير الموازنة الخضراء في فرنسا معلومات عن الأداء البيئي لبعض بنود الموازنة المصنفة على أنها خضراء أو غير خضراء؛ مما يساعد على فهم أفضل لمدى فعالية وكفاءة الإنفاق العام. كما يحتوي التقرير على بيانات فعلية للتصنيف البيئي تم تنفيذها في سنوات سابقة، مما يتيح المقارنة مع البيانات المخططة في أثناء إعداد الموازنة. بالإضافة إلى ذلك، يتم إجراء تقييمات لاحقة لبعض الاستراتيجيات البيئية.
ثانيًا، تجربة فنلندا:
بدأ تبني الموازنة الخضراء في فنلندا بمبادرة من وزير المالية؛ حيث تم تضمين إعلان حول التنمية المستدامة ضمن كل بند رئيس من بنود الإنفاق في إطار إعداد مقترح موازنة عام 2018. ومنذ عام 2019، أصبح مقترح الموازنة يحتوي على فصل موسّع يوضح الاعتمادات المالية المخصصة لتحقيق الأهداف البيئية، ويقدم تقييمًا نوعيًّا للدعم الحكومي الضار بيئيًّا. كما يعرض الضرائب ذات الصلة بتحقيق هدف فنلندا في الوصول إلى الحياد الكربوني، وفقًا لما نص عليه قانون المناخ لعام 2022. وينص هذا القانون على الأحكام الخاصة بتخطيط سياسات التغير المناخي والرصد المرتبط بها، ويحدد الأهداف المناخية الوطنية.
ومنذ عام 2020، يشترط “نظام إعداد الموازنة” في فنلندا على الوزارات القطاعية إجراء تقييمات للأثر الخاص بمقترحات سياسات الموازنة فيما يتعلق بالتنمية المستدامة. وكان هذا الشرط مدرجًا سابقًا ضمن المنشور الدوري لإعداد الموازنة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تخضع المقترحات التشريعية لتقييم يشمل، من بين أمور أخرى، تأثيرها البيئي.
هذا، وتتحمل الوزارات مسؤولية إجراء تقييمات الأثر للسياسات التي تقترحها، وأحيانًا بالتعاون مع خبراء خارجيين. وتتولى وزارة المالية إعداد الفصل الختامي حول التنمية المستدامة في مشروع قانون الموازنة.
وفي شهر مايو، تقدم الوزارات القطاعية مقترحاتها للموازنة، بما في ذلك التحليل، إلى وزارة المالية، التي تتولى بدورها إعداد فصل خاص حول التنمية المستدامة يتضمن الاعتمادات المخصصة لتحقيق الأهداف المناخية والبيئية. ويُعرض هذا الفصل بعد ذلك على الحكومة للمناقشة ضمن مشروع الموازنة في نهاية أغسطس، ثم يُرسل إلى البرلمان في منتصف سبتمبر كجزء من مشروع قانون الموازنة.
وخلال مناقشات مشروع قانون الموازنة في الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر، يتوفر لدى البرلمان معلومات تتعلق بآثار المقترحات القانونية البيئية المرتبطة بالموازنة، والاعتمادات المخصصة للأهداف البيئية، والتقدم المحرز في مجال التنمية المستدامة ضمن الموازنة.
وبشكل عام، يتم تنسيق إجراءات سياسات الطاقة والمناخ بين الوزارات خلال مرحلة إعداد الموازنة، ويشمل هذا التنسيق كلًّا من أعمال التخطيط المتكاملة للطاقة والمناخ عبر الوزارات، إضافةً إلى تنظيم منتديات مخصصة ومنتظمة لمناقشة السياسات. كما تُناقش تقييمات الأثر لمختلف التدابير ضمن هذا الإطار.
وفي النهاية، تقوم الحكومة بالإبلاغ عن التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك من خلال فصل مخصص في تقريرها السنوي. بالإضافة إلى ذلك، تنشر الوزارات تقارير خاصة بها حول مدى تقدمها في مجال التنمية المستدامة ضمن تقاريرها السنوية للمساءلة، وذلك وفقًا لتوصيات الخزانة العامة للدولة.
|