الفاتح النور … رائد الصحافة الإقليمية – بقلم/ بابكر عيسى أحمد

الفاتح النور … رائد الصحافة الإقليمية

الأحد ، 25 اغسطس 2024
بقلم/ بابكر عيسى أحمد

سأحدثكم اليوم عن شخص عزيز على قلبي وتربطني به وشائج المحبة والعرفان، بإعتباره أول من فتح أمامي أبواب صاحبة الجلالة الصحافة لأخطو فيها خطوات واثقة جعلتني أدمن الحروف المطبوعة وأعانق رائحة الأحبار وأستمتع بسماع إيقاع آلات الطباعة … وهي علاقة عشق امتدت وتواصلت منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم.
هذا العمر الممدود من الكتابة والصحافة ومعانقة الحروف وحب القراءة والإطلاع كان وراءه ذلك الشخص العزيز على قلبي ولعلني ورثت عنه هذا الحب للصحافة، وهو قبل أن يكون أي شخص آخر هو شقيق والدتي ست الجيل أحمد النور ترير -طيب الله ثراها- والتي رعتنا إلى جانب والدي عيسى أحمد عيسى -تغشاه الرحمة والمغفرة- اثنى عشر أخاً وأختاً -سبعة أبناء وخمسة أخوات في بيئة ملؤها الحب والإحترام والإعتزاز والكرامة وسهروا على تربيتنا ورعايتنا حتى نشأنا رجالاً ونساءاً قادرين على العطاء والإسهام في الحياة بحب وإيجابية، وخلفنا أجيالاً من الأحفاد.
هذا الشخص العزيز على قلبي هو الخال الفاتح أحمد النور ترير الذي يعتبر بحق رائداً للصحافة الإقليمية في السودان وصاحب المبادرات المشرقة والرؤية المضيئة في زمن العتمة والظلام وعلى يديه صدرت صحيفة كردفان صباح الجمعة الأول من نوفمبر عام 1945 … كانت فكرة سابقة لعصرها كما كان الفاتح النور -عليه رحمه الله- إنساناً عصامياً بنى لنفسه مجداً من العدم حيث كان يشارك أبي في التجارة بمدينة الأبيض المعروفة بعروس الرمال، غير أنه سبق الجميع بمبادراته المتفردة ونبوغه المبكر رغم أنه لم يحظى بتعليم نظامي.
الفاتح النور كان ترتيبه الثالث بين أشقائه عبدالله ومحمد والتجاني وشقيقاته ست الجيل وآمنه وهو متزوج من السيدة أمينة حسن علي كرار -لها الرحمة والمغفرة- وله من الأولاد معاوية -عليه رحمه الله- وطارق ومن البنات سلوى وهدى وناهد وهاله وهؤلاء جدتهم نفيسة كامل رائدة تعليم المرأة في السودان.
من إشراقات الفاتح النور عبر المقالات التي كان يسطرها في على صفحات جريدة كردفان التي كانت تصدر مرتين في الأسبوع صباح الجمعة ومساء الأثنين أنه أول من دعا للحكم الإقليمي في السودان وابتكر “عيد الشجرة” وفي هذا يغرس الإهتمام بالبيئة في الوعي السوداني ورأت جامعة كردفان النور إنطلاقاً من مقال نشر عام 1962 بعنوان “كردفان أحق بالجامعة الثانية” كما كان وراء تشكيل غرفة كردفان التجارية وعمل على إنشاء متحف شيكان بالأبيض وأنشأ نادي الأعمال الحرة وتبرعت الصحيفة بكل دخلها من عائد العدد الخاص الذي أصدرته بمناسبة حملة التحرر من العطش في 1970، كما كانت صحيفة كردفان أول من حمل فكرة تكوين مجالس للآباء بالمدارس وكانت الخطوة الأولى تكوين مجلس أصدقاء مدرسة خور طقت الثانوية حيث عمت الفكرة جميع مدارس السودان، والفاتح النور من المؤسسين لمهرجانات القرآن الكريم السنوية بالإضافة إلى كونه من كبار زعماء الطريقه التيجانية في السودان.
يقول الزميل فيصل حضرة في دراسة مطولة عن دار كردفان “أن الفاتح النور كان فيلقاً يقاتل في الجبهات كافة حتى صار أسمه على كل لسان فقد كان شاملاً ورجل بر واحسان لأهله وعشيرته ومجتمعه كما كان موسوعة أدبية وفكرية”.
لا تذكر كردفان بدون جريدتها أو بدون مؤسسها الراحل الفاتح النور أو مكتبه الذي عرف بصالون كردفان وأصدر الفاتح النور ثلاثة كتب عناوينها “صالون كردفان وخلف الأخبار والحوادث، والتيجانية والمستقبل” ومنحته جامعتا الخرطوم وكردفان الدكتوراة الفخرية في الآداب وقد ترك بصماته الأدبية والمعرفية التي حوتها مكتبته الضخمة في مدينة الأبيض وكان قد دعى الشاعر الكبير الراحل نزار قباني لزيارة عروس الرمال حيث نزل ضيفاً عليه وأقام أمسيات شعرية لقت رواجاً كبيراً بنادي الخريجين وعدداً من المدارس الثانوية.
مازلت أذكر خطواتي الصغيرة في مبنى دار كردفان الذي يتوسط المدينة وأذكر أن أول اسهاماتي التحريرية كانت تحت عنوان “عندما جلست لأعرف المستقبل” وكان عن ضاربة ودع شهيرة في فريج “الرديف”.
الفاتح النور كان رجلاً سابقاً لعصره في الرأي والرؤية، وزعم أنه كان ساخراً في الكثير الذي يكتب إلا أنه كان صارماً عندما يستوجب الموقف الصرامة، كما كان صاحب ذاكرة متقدة وغير مجامل في الحق.
أثمن اقتراح الزميل فيصل حضرة بإعادة إصدار جريدة كردفان من جديد وحبذا لو طبعت في الدوحة من أبناء كردفان في الخليج وإطلاق جائزة الصحافة الإقليمية بإسمه … واختارت صحيفة كردفان “شجرة التبلدي” رمزاً ومقولة “الإصلاح من قاعدة الهرم إلى قمته” شعاراً.
ألا رحم الله الخال العزيز الفاتح النور وأحسن إليه وليطرح البركة في ابنه طارق وبناته سلوى وهدى وناهد وهالة وليرحم الله معاوية الذي كان مؤهلاً لرفع الراية بعد والده.

Comments (0)
Add Comment