قراءة تحليلية في تطورات الأوضاع بالسودان: مسارات الصمود وتحديات البقاء
بقلم: المحرر السياسي
أولاً: الحراك السيادي والسياسي.. التأكيد على شرعية الدولة والحل الداخلي
يعكس التقرير حراكاً سيادياً مكثفاً يهدف إلى تأكيد حضور الدولة على المستويين الداخلي والخارجي، وتوحيد الجبهة الداخلية، وإرسال رسائل حاسمة للمجتمع الدولي:
تأكيد القيادة العسكرية على استمرار العمليات حتى استعادة الأراضي وإنهاء التمرد، بالتوازي مع الترحيب بكل من ينحاز لصف الوطن، وهو ما برز في رسائل رئيس مجلس السيادة خلال معايدته للقوات المرابطة.
انفتاح دبلوماسي على المحيطين الإقليمي والدولي لحشد الدعم، تجلى في المباحثات الثنائية مع القيادة التركية لتعزيز التعاون المشترك.
رفض صريح للتبسيط المخل للأزمة السودانية، حيث شدد نائب رئيس مجلس السيادة أمام وفد الاتحاد الأوروبي على ضرورة عدم اختزال الصراع في كونه “حرباً بين جنرالين”، مؤكداً أن الحل يجب أن يكون عبر حوار سوداني داخلي وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة.
التحرك نحو معالجة الاختلالات الاقتصادية من خلال توجيهات حكومية لضبط سوق النقد، معالجة نقص الوقود، وتوحيد أسعار المنتجات البترولية.
التركيز على قضايا التنمية المتوازنة وتخصيص الموارد، عبر توظيف جزء من عائدات الذهب لتأهيل قطاعات التعليم والصحة والمياه في شرق السودان.
ثانياً: تحديات البنية التحتية ومرحلة ما بعد النزاع
يُظهر التقرير جهوداً حكومية حثيثة لترميم ما دمرته الحرب، وهو ما يمثل تحدياً بالغ التعقيد بالنظر إلى حجم الاستهداف الذي طال المرافق الخدمية والمرافق الحيوية:
يواجه قطاع الكهرباء ظروفاً تشغيلية استثنائية نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بمحطات التوليد وشبكات النقل بسبب العمليات الحربية، مما استدعى توجيه الأولوية لتأمين إمداد المرافق الحيوية.
نجاح الدبلوماسية الاقتصادية في استقطاب تمويل بقيمة 51 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية لتحويل مشاريع مياه متعثرة إلى مشاريع طوارئ للمياه والصرف الصحي في بورتسودان وولايتي شمال وجنوب كردفان.
التخطيط الاستراتيجي المبكر لعملية إعادة الإعمار، والذي برز في المباحثات مع الجانب الصيني لتنفيذ مشروع المستشفيات الأربعة، تأهيل المستشفيات القائمة، وتوطين التصنيع الدوائي.
ثالثاً: إدارة الأزمة الإنسانية والحفاظ على النظام التعليمي
على الرغم من الظروف الأمنية، تبذل الأجهزة التنفيذية جهوداً ملحوظة لإدارة الأزمة الإنسانية وحماية المؤسسات المدنية والتعليمية من التصدع:
تسهيل حركة المنظمات الدولية والمحلية، حيث تم إصدار 109 أذونات تحرك للمنظمات الطوعية الأجنبية إلى 9 ولايات.
تنسيق استجابة إنسانية واسعة شملت نقل 2200 طن من الدقيق لولايتي نهر النيل والنيل الأبيض، وتوزيع الأدوية والخيام في عدة مدن سودانية.
حماية سيادة النظام التعليمي ورفض المساس بالشهادة الوطنية، عبر التصدي الحازم لمحاولات المليشيا الإرهابية تزييف مواقف المنظمات الدولية (اليونيسف) لخلق أنظمة تعليمية موازية تضر بمستقبل الطلاب ووحدة البلاد.
رابعاً: المشهد الميداني.. انتصارات عسكرية في مواجهة جرائم الحرب
يرسم التقرير صورة واضحة للتناقض بين العقيدة العسكرية النظامية التي تدافع عن الأرض، وممارسات المليشيا المتمردة التي تستهدف المدنيين ومقدراتهم:
نجاحات تكتيكية ودفاعية للقوات المسلحة: تمكنت القوات النظامية من صد هجمات واستعادة مناطق استراتيجية في إقليم النيل الأزرق (مثل خور القنا وخور حلبية)، وتدمير آليات عسكرية تابعة للمليشيا والحركة الشعبية.
تحييد التهديدات الجوية: نجحت الدفاعات في إسقاط مسيرات استراتيجية وانتحارية كانت تستهدف المدنيين والبنى التحتية في النيل الأبيض وجنوب كردفان.
الاستهداف الممنهج للمدنيين (جرائم ضد الإنسانية): وثّق التقرير سلسلة من الانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها المليشيا المتمردة، شملت مجازر دموية في ولاية شمال كردفان (قريتي المرة وأم سعدون) أسفرت عن مقتل 28 مواطناً وتهجير آخرين.
تدمير البنية الاقتصادية وحصار المدن: تعمدت المليشيا قصف الأسواق ومحطات الوقود ومنازل المواطنين في مدن كالأبيض، الدلنج، وتندلتي باستخدام المدفعية والمسيرات الاستراتيجية، بالإضافة إلى استهداف الشاحنات التجارية لضرب شريان الإمداد التمويني.
خلاصة القول؛ إن ما ورد في التقرير يؤكد أن الدولة تواجه محاولة لتدمير بنيتها التحتية والاقتصادية بشكل ممنهج من قبل المليشيا المتمردة. إلا أن التحركات المؤسسية، سواء في الحفاظ على المؤسسات القومية (كالتعليم والصحة)، أو في حشد الموارد لإعادة الإعمار، أو في التصدي الميداني لتأمين الولايات، تثبت أن إرادة الصمود وإعادة بناء ما دمرته الحرب تسير بخطى مدروسة، مما يتطلب من المجتمع الدولي موقفاً حازماً يتجاوز لغة الإدانة إلى محاسبة المنتهكين ودعم مساعي الدولة الوطنية في استعادة استقرارها.