“إعادة التفكير في الهجرة داخل النظام العالمي: نحو مقاربات تفسيرية جديدة”

المقال (2-10): "الهجرة والنظام العالمي: من يحرّك من؟ في الاقتصاد السياسي للحراك البشري"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. خالد لورد

مستشار سابق لدى الأمم المتحدة في شؤون الهجرة والتنمية

“هذه السلسلة جزء من عمل  بحثي أوسع حول إدارة الهجرة وتحولاتها في العلاقات الأوروبية–الأفريقية”.

لم تعد الهجرة في العالم المعاصر ظاهرة يمكن تفسيرها من خلال أسباب مباشرة وبسيطة مثل الفقر أو البطالة أو الحروب فقط! كما لم تعد مجرد قرار فردي يتخذه الإنسان بحثا عن حياة أفضل. لقد تحولت الهجرة تدريجيا إلى جزء من بنية عالمية أوسع، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وتتشابك فيها الدولة مع السوق، وتعمل فيها المؤسسات الدولية مع الشبكات غير الرسمية في إنتاج مستمر لحركة البشر وإعادة تنظيمها وتوجيهها واستثمارها.

هنا يصبح سؤال، لماذا يهاجر الناس؟ سؤالا بسيطا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يخفي افتراضا منهجيا خطيرا، وهو افتراض أن الهجرة تبدأ داخل المجتمع المحلي وتنتهي عند حدود الدولة، وكأنها قرار فردي منفصل عن البنية العالمية. هذا التصور ينتج نوعا من الخلل البنيوي، لأنه يتعامل مع الهجرة كحدث تابع للأسباب، بينما يتجاهل أن الأسباب نفسها قد تكون منتَجة داخل نظام أوسع يسبق القرار الفردي ويحيط به ويعيد تشكيله. هنا يصبح الانتقال إلى سؤال كيف ينتَج شرط الهجرة داخل النظام العالمي؟ ومن يملك القدرة على تشكيل اتجاهاته وحدوده ومعاييره؟ ليس مجرد تطوير نظري، بل هو انقلاب فكري في زاوية الرؤية والتناول. فبدل النظر إلى الإنسان بوصفه فاعلا يقرر الهجرة، يتم النظر إليه بوصفه فاعلًا يتحرك داخل مجال من القيود والفرص تم إنتاجه مسبقا عبر تفاعلات اقتصادية وسياسية وقانونية عابرة للدول والحدود. أي أن القرار الفردي لا يلغى، لكنه يعاد وضعه داخل سياق أوسع يحدد احتمالاته وحدوده ومخاطره.

إن الاقتصاد السياسي للهجرة، في هذا الإطار، لا يفهم الحركة البشرية بوصفها تدفقا مستقلا، بل بوصفها جزءا لا يتجزاء من بنية عالمية منتجة للفرص واللامساواة. فالنظام العالمي المعاصر لم يعد يقتصر على تنظيم حركة السلع ورؤوس الأموال والخدمات، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على تنظيم الحركة البشرية نفسها، ولكن بطريقة غير مباشرة ومعقدة. هذه الإدارة لا تتم عبر قرار مركزي واحد، بل عبر شبكة واسعة من السياسات المتداخلة التي تعمل في اتجاهات مختلفة ظاهريا، لكنها تنتج في النهاية أثرا بنيويا واحدا وهو إعادة تشكيل أنماط الحركة البشرية بما يخدم توازنات النظام العالمي.

فمن جهة، هناك سياسات تسهّل هجرة فئات معينة من العمالة ذات المهارات العالية، ضمن ما يعرف بـ”الهجرة الانتقائية”، حيث يتم استقطاب العقول والكفاءات لسد احتياجات اقتصادات معينة. ومن جهة أخرى، توجد سياسات تقييدية صارمة على فئات أخرى، خصوصا العمالة منخفضة  المؤهلات والدخل أو تلك القادمة من مناطق الهشاشة الجيوسياسية. وبين هذين القطبين، تتشكل طبقات وسطى من الهجرة غير المستقرة قانونيا، والتي تترك في حالة دائمة من التفاوض غير المتكافئ مع السوق والدولة.

بهذا المعنى، لا تعمل الهجرة كظاهرة فوضوية، بل كـنظام حركة مدار ضمن هندسة غير مرئية للحدود. هذه الهندسة لا تدار فقط عبر الجغرافيا السياسية للحدود، بل أيضا عبر أدوات أكثر تعقيدا مثل أنظمة التأشيرات، ومعايير اللجوء، واتفاقيات إعادة القبول، وسياسات المساعدات التنموية المشروطة، وحتى برامج التدريب وسوق العمل الدولي. كل هذه الأدوات، وغيرها، لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل لتنتج ما يمكن تسميته بـاقتصاد التحكم في الحركة البشرية.

في قلب هذا النظام، تظهر فكرة مركزية وهي أن النظام العالمي لا يحتاج فقط إلى ضبط الهجرة، بل يحتاج أيضا إلى إنتاج تفاوتات مستمرة في قابلية الحركة نفسها. أي أن البشر لا يتحركون بالقدر نفسه من الحرية أو القيود، بل يتم توزيع الحق في الحركة بشكل غير متكافئ. فبعض الأفراد يتمتعون بحرية شبه كاملة في التنقل، بينما تقيد حركة آخرون بشدة، ليس فقط بالقوانين، بل أيضا بالبنية الاقتصادية والتعليمية والسياسية التي تحدد مسبقًا إمكانية الحركة. وهنا تتجلى اللامساواة ليس فقط كاختلاف في الدخل أو الثروة، بل كـاختلاف في القدرة على الحركة عبر الفضاء العالمي. هذا التحول مفاهيمي بالغ الأهمية، لأنه يعني أن اللامساواة لم تعد محلية أو وطنية فقط، بل أصبحت جغرافية عالمية للحركة. فالمناطق التي تنتج الهجرة لا تفعل ذلك فقط لأنها فقيرة، بل لأنها موضوعة داخل بنية عالمية تجعل الحركة منها إلى الخارج أكثر احتمالًا من الحركة إليها أو داخلها.

بالتالي فإن الفجوات في التنمية، واختلال توزيع الثروة، وتفاوت الفرص التعليمية والاقتصادية، لا تعمل فقط كأسباب للهجرة، بل تعمل كـآليات لإنتاج أنماط محددة من الهجرة. فهي لا تحدد فقط من يتحرك، بل أيضا طبيعة هذه الحركة، هل هي هجرة قسرية أم اختيارية؟ دائمة أم مؤقتة؟ نظامية أم غير نظامية؟ محفوفة بالحماية أم بالمخاطر؟ كما تحدد أيضا الوجهات الممكنة، والتي ليست مفتوحة بشكل متساوٍ، بل تخضع لتراتبية عالمية في جاذبية الدخول. بهذا الشكل، تتحول الهجرة من كونها مجرد نتيجة لظروف محلية، إلى كونها مرآة مكثفة لبنية النظام العالمي نفسه. فكل مسار هجرة هو في الحقيقة تعبير عن طريقة توزيع الفرص والقيود على مستوى عالمي، وكل حركة بشرية هي إعادة تجسيد للعلاقات غير المتكافئة بين المركز والأطراف، وبين من يملك القدرة على تحديد القواعد ومن يطلب منه التكيف معها.

لكن ما يميز هذا النظام أنه لا يعمل بشكل مباشر أو صريح، بل عبر شبكة معقدة من الأدوات والسياسات التي تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنها في الواقع مترابطة وظيفيا. فسياسات التأشيرات، وأنظمة العمل، واتفاقيات التجارة، وبرامج المساعدات التنموية، وحتى آليات التعليم والتوظيف، كلها تساهم بشكل غير مباشر في تشكيل قابلية الحركة لدى بعض الفئات، وفي تقييدها لدى فئات أخرى. وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في الاقتصاد السياسي للهجرة. فبينما تعلن الدول المتقدمة التزامها بخطاب الحد من الهجرة غير النظامية، فإن بنيتها الاقتصادية في قطاعات متعددة مثل الزراعة، والبناء، والرعاية الصحية، والخدمات منخفضة الأجر، تظل تعتمد بشكل فعلي على وجود قوة عمل مهاجرة. وهذا يعني أن الهجرة ليست فقط ظاهرة تحاصر، بل أيضا ظاهرة تدار وتعاد هندستها بما يتناسب مع حاجات السوق.

في المقابل، لا يمكن النظر إلى دول الجنوب باعتبارها مجرد مصدر للهجرة، بل هي أيضا جزء فاعل في هذه المعادلة المعقدة. فالهجرة بالنسبة لها أصبحت عنصرا داخل بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فهي تسهم في تخفيف الضغط على سوق العمل الداخلي، وتولد تدفقات مالية ضخمة عبر التحويلات، وتعيد تشكيل علاقات اجتماعية عابرة للحدود، بل وتؤثر أحيانا في الاستقرار السياسي نفسه. وهكذا تصبح الهجرة ليست خروجًا من النظام، بل إعادة تموضع داخله.

لكن الأخطر في هذا الاقتصاد السياسي للحركة البشرية أنه لا يظهر كنظام واحد متماسك يمكن رؤيته بوضوح، بل يعمل من خلال تداخل طبقات متعددة من الفاعلين والمستويات مثل الدول، الأسواق، المؤسسات الدولية، شركات التوظيف، شبكات الوساطة، وأحيانا شبكات غير رسمية تعمل في الظل. هذا التداخل يجعل النظام يبدو وكأنه بلا مركز واضح، بينما هو في الواقع نظام موزع السلطة لكنه غير متكافئ القوة. ففي حين يمتلك بعض الفاعلين القدرة على وضع القواعد وتحديد المعايير، مثل الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي وبعض المؤسسات والمنظمات، نجد فاعلين آخرين يعملون ضمن هوامش ضيقة، لكنهم يساهمون في إعادة إنتاج النظام نفسه، سواء عبر الاستجابة له أو الالتفاف عليه أو التكيف معه.

إن القول بأن الهجرة ليست خللا في النظام العالمي بل إحدى طرق اشتغاله غير المرئية يعني ضمنيا إعادة تعريف معنى الخلل ذاته. فما يبدو في الخطاب السياسي والإعلامي كاضطراب في الحدود أو ضغط على السيادة أو أزمة إدارة، قد يكون في الواقع تعبيرا عن نمط اشتغال طبيعي داخل بنية عالمية قائمة على التفاوت المنظم. فالنظام العالمي لا يعمل وفق منطق التوازن النهائي أو الاستقرار المغلق، بل وفق منطق التوازن الديناميكي القائم على إنتاج التوترات وإدارتها باستمرار. وضمن هذا المنطق، تصبح الهجرة إحدى أكثر الأدوات فعالية في إدارة هذا التوتر دون حله.

فبدل أن يكون النظام العالمي معنيا بإزالة أسباب الهجرة جذريا، نجد أنه يعمل في اتجاه مختلف يتمثل في إعادة توزيع آثارها وتوجيه مساراتها وتكييف شدتها. فالهجرة المرتبطة بالفقر، أو النزاعات، أو الاختلالات التنموية لا تعالج دائما بإزالة جذورها البنيوية، بل غالبا ما يتم التعامل معها عبر طبقات وسيطة من السياسات مثل ضبط الحدود، إدارة التأشيرات، إعادة التوطين الجزئي، أو دمج انتقائي في أسواق العمل. هذا يعني أن النظام لا يسعى إلى وقف إنتاج الهجرة بقدر ما يسعى إلى تنظيم تدفقها ضمن حدود يمكن التحكم بها وظيفيا.

من هنا يمكن فهم أن الهجرة تؤدي وظيفة مزدوجة في الوقت نفسه، فهي من جهة تعكس التفاوتات البنيوية في الاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى تساهم في إعادة تدوير هذه التفاوتات بدل تفكيكها ومعالجتها. فحين تنتقل القوى العاملة من مناطق أقل نموا إلى مراكز اقتصادية أكثر تقدما، فإنها لا تنقل فقط الجهد البشري، بل تنقل معها أيضا القدرة على امتصاص جزء من الضغوط الداخلية في دول المصدر، سواء عبر التحويلات المالية أو تخفيف البطالة أو إعادة إنتاج شبكات اجتماعية عابرة للحدود أو المساهمة في العملية التنموية. وفي المقابل، تستفيد الدول المستقبِلة من هذا التدفق في سد فجوات سوق العمل، والحفاظ على مرونة اقتصادية، وتقليل تكاليف الإنتاج في قطاعات معينة.

لكن الأهم من ذلك أن هذه العملية لا تؤدي إلى تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، بل غالبا ما تساهم في إعادة إنتاجها بشكل أكثر استقرارا وأقل قابلية للانفجار. فبدل أن تتحول التفاوتات إلى أزمات شاملة، يتم تفريغ جزء من ضغطها عبر قنوات الهجرة، بما يسمح للنظام بالاستمرار دون تغيير جذري في بنيته. وهنا يظهر البعد العميق لفكرة أن الهجرة ليست فقط نتيجة للنظام، بل أيضا آلية من آلياته لتأجيل أزماته البنيوية وإعادة توزيعها جغرافيا وزمنيا. على هذا الأساس، يصبح النظام العالمي أقرب إلى كيان لا يعمل عبر السيطرة الصارمة المباشرة، بل عبر ما يمكن تسميته بـإدارة الحركة بوصفها شكلا من أشكال الحكم. فالحركة البشرية ليست شيئا خارج النظام يحتاج إلى ضبط خارجي، بل هي عنصر داخلي يتم عبره ضبط النظام نفسه. وهذا يعني أن الحدود ليست فقط خطوط منع، بل أيضا أجهزة تنظيم وتوجيه وإنتاج للمعنى السياسي للحركة.

من هنا تتضح أهمية إعادة صياغة السؤال المركزي. فبدل التفكير في الهجرة بوصفها مشكلة ينبغي حلها، أو ظاهرة ينبغي تقليلها، أو أزمة ينبغي احتواؤها، يصبح من الضروري التعامل معها بوصفها مدخلا لفهم كيفية اشتغال النظام العالمي نفسه. أي أن السؤال لم يعد يتعلق بالهجرة في ذاتها، بل بالبنية التي تجعلها ضرورية ومستمرة وقابلة لإعادة الإنتاج. هذا يقود إلى نتيجة أكثر عمقا، هي إن استمرارية النظام العالمي لا تعتمد فقط على القوة العسكرية أو التبادل الاقتصادي أو المؤسسات الدولية، بل أيضا على قدرته على إنتاج حركة بشرية غير متكافئة ومنظمة في آن واحد. حركة تسمح في بعض اتجاهاتها، وتقيّد في أخرى، وتثمّن في حالات معينة، وتجرم في حالات أخرى، بما يخلق شبكة معقدة من الامتيازات والقيود التي تعيد إنتاج التراتبية العالمية بشكل مستمر.

هكذا تصبح الهجرة ليست مجرد حركة عبر الفضاء الجغرافي، بل آلية لإعادة توزيع الفوارق وإعادة تشكيل العلاقات بين الدول والمجتمعات داخل النظام العالمي. وهي بذلك لا تقف خارج هذا النظام، ولا تعارضه من الخارج، بل تعمل من داخله، وتعيد إنتاج منطقه، وتكشف في الوقت نفسه عن تناقضاته البنيوية التي لا تحل، بل تدار وتعاد صياغتها باستمرار. ومن هنا تحديدا تتجلى الفكرة المركزية، إن الهجرة ليست ما يحدث عندما يفشل النظام العالمي، بل هي أحد الطرق التي ينجح بها في الاستمرار رغم تناقضاته الداخلية.

 

 

 

Comments (0)
Add Comment