أ.د طارق الصادق عبد السلام | رؤية قرانية …. الأمن المجتمعي يبدأ قبل نقطة الشرطة

رؤية قرآنية

لماذا هذا العمود؟

حين نقرأ أحداث الحياة اليومية، كثيراً ما نقف عند ظاهرها؛ فنناقش المخدرات باعتبارها قضية أمنية، أو البطالة باعتبارها قضية اقتصادية، أو ضعف الأسرة باعتباره مشكلة اجتماعية، وكأن كل قضية تعيش في جزيرة منفصلة عن الأخرى.
أما القرآن الكريم، فإنه يقدم لنا طريقة مختلفة في النظر؛ فهو لا يبدأ بالظواهر، وإنما يبدأ بالإنسان، ثم بالقيم، ثم بالمجتمع، ثم بالسنن التي تحكم حركة الأمم. ومن هنا جاءت فكرة هذا العمود بايعاز من الصحفية د. ست البنات حسن احمد ان نقدم مقالا كل اسبوع انطلاقا من منهجية “رؤية قرآنية لقضايا المجتمع ” وهي ليست مواعظ عابرة، ولا تفسيراً تقليدياً للآيات، وإنما محاولة لقراءة قضايا الإنسان والمجتمع والحضارة في ضوء النظام المعرفي الذي يقدمه القرآن الكريم، من خلال مشروعنا النظام المعرفي للقرآن العظيم ، ومن منظور علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني.
وسنحاول في كل أسبوع أن نتناول قضية من واقعنا، لا لنكتفي بوصفها، وإنما لنفهم جذورها، ونكشف العلاقات التي تربطها بغيرها، ونبحث عن الطريق الذي يقود إلى الإصلاح. فالأمن، والأسرة، والتعليم، والاقتصاد، والإعلام، والثقافة، ليست ملفات متجاورة، بل أجزاء من بناء واحد؛ فإذا صلح البناء صلحت أجزاؤه، وإذا اختل أساسه ظهرت الأزمات في صور متعددة.
غايتنا أن ننتقل من ردود الأفعال إلى بناء الوعي، ومن معالجة النتائج إلى فهم الأسباب، ومن النظر الجزئي إلى الرؤية الكلية التي تجعل الإنسان محور العمران، والقيم أساس الاستقرار، والإصلاح طريق النهوض.

 

المقال الاول

*الأمن المجتمعي يبدأ قبل نقطة الشرطة*

حين يُذكر الأمن، يتجه الذهن غالباً إلى رجال الشرطة، والدوريات، والقوانين، والعقوبات. وهذه كلها أدوات ضرورية، لكنها تمثل خط الدفاع الأخير، لا الأول.
أما خط الدفاع الأول فيبدأ داخل البيت، حيث تتكون الشخصية، وفي المدرسة حيث تُبنى القيم، وفي المسجد حيث يترسخ الضمير، وفي الجامعة حيث يتشكل الوعي، وفي الحي الذي يشعر فيه الشاب أنه جزء من مجتمع يقدره ويحتضنه.
ولذلك فإن انتشار المخدرات لا يمكن أن يُفهم باعتباره مجرد جريمة، بل هو في كثير من الأحيان إنذار بوجود خلل أعمق في البيئة الاجتماعية. وحين تتزامن آثار الحرب، والنزوح، والضغوط الاقتصادية، والفراغ، وضعف البرامج الموجهة للشباب، تصبح الحاجة إلى الوقاية أشد من الحاجة إلى العقوبة.
ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة تعزيز الأمن المجتمعي والوقاية الشاملة بالولاية الشمالية ومدينة، التي أعدتها منظمة د. حسين حماد الخيرية بالتعاون مع جمعية دنقلا الخيرية والمنظمة الوطنية للسلام والتنمية المستدامة ومزمع ان تكون بشراكة ذكية مع وزارة الداخلية ممثلة في جامعة الرباط الوطني والإدارة العامة للشرطة المجتمعية، استجابة لمبادرة شرطة الولاية الشمالية، لتؤكد أن المجتمع كله شريك في صناعة الأمن، وأن حماية الشباب مسؤولية جماعية لا تنحصر في مؤسسة واحدة.
ولذلك لن تُبنَ المبادرة على المحاضرات وحدها، بل على التدريب، وورش العمل، واللقاءات المجتمعية، وزيارات المدارس والجامعات، ومعرض مكافحة المخدرات، ومعرض الكتاب، والأنشطة الشبابية والثقافية، لأن بناء الإنسان لا يتحقق بخطاب واحد، وإنما ببيئة كاملة تعزز القيم وتفتح أبواب الأمل والمشاركة.
إن معركة المجتمع مع المخدرات ليست معركة ضد مادة محرمة فحسب، بل هي معركة من أجل الإنسان؛ من أجل أن يبقى الشاب قادراً على بناء نفسه وأسرته ووطنه. وكل مجتمع يستثمر في الوقاية قبل وقوع المشكلة، إنما يحمي مستقبله قبل أن يحمي حاضره.
ولعل هذه هي الرسالة التي سنحاول أن نواصلها في هذا العمود: أن نقرأ قضايانا بعيون ترى ما وراء الظواهر، وتربط بين الإنسان والقيم والعمران، وتؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الوعي، وأن المجتمع حين يبني إنسانه، يكون قد وضع الأساس المتين لكل أمن واستقرار وتنمية.
رؤية قرآنية… لأن كل إصلاح حقيقي يبدأ برؤية صحيحة، وكل رؤية صحيحة تبدأ بقراءة واعية لسنن الله في الإنسان والمجتمع والحضارة.

Comments (0)
Add Comment