قطوف: د. خالد لورد
تناولنا في المقال السابق (رقم 1)، ظاهرة الانتشار الواسع للتنمية والتطوير الذاتي في العالم المعاصر، وأشرنا إلى أن النقاش الدائر حول هذا المجال لا يتعلق فقط بالأدوات والأساليب والمهارات، بل يتجاوزه إلى أسئلة أعمق تتصل بطبيعة الإنسان وغاية وجوده ومعنى النجاح والسعادة والفلاح. كما بينا أن الحاجة اليوم لا تتمثل في الرفض الكامل لكل ما تنتجه مدارس التنمية الحديثة، ولا في التسليم الكامل بكل ما تطرحه، بل في بناء رؤية متوازنة تستفيد من الإيجابيات العملية وتعيد في الوقت نفسه وصل الإنسان بجذوره الإيمانية والأخلاقية والروحية. غير أن الوصول إلى هذه الرؤية المتوازنة يقتضي التوقف عند سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه من أعقد الأسئلة التي شغلت الفلاسفة والمفكرين وعلماء النفس والمربين عبر التاريخ، وهو سؤال: من هو الإنسان؟
قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال معروفة سلفا للبعض! لكن الحقيقة أن معظم الاختلافات بين الحضارات والفلسفات والمدارس الفكرية تعود في جوهرها إلى اختلاف تصوراتها الأساسية عن الإنسان. فكل مشروع حضاري أو تربوي أو أخلاقي أو تنموي ينطلق بدءا من تعريف معين للإنسان، ومن فهم محدد لطبيعته وقدراته واحتياجاته ومصيره. وتبنى حول تلك التعريفات والتصورات وكل المفاهيم المرتبطة بالإنسان. لهذا فإن أي حديث عن التنمية الذاتية أو تزكية النفس أو بناء الشخصية لا يمكن أن يكون متماسكا ما لم يبدأ أولا بفهم ماهية الإنسان الذي نريد تزكيته أو تنميته.
الإنسان: نقطة البداية في كل مشروع تنموي
عندما ننظر إلى الأدبيات المعاصرة في التنمية الذاتية نجد أنها تتحدث كثيرا عن النجاح والقيادة والثقة بالنفس والتفكير الإيجابي وتحقيق الأهداف وإدارة الوقت وبناء العادات الفعالة. لكن قليلا ما تتوقف هذه الأدبيات عند سؤال أكثر جوهرية والحاحا حول طبيعة الإنسان الذي نسعى إلى تطويره. فالإنسان ليس مجرد آلة إنتاج تحتاج إلى تحسين كفاءتها، وليس مجرد عقل يحتاج إلى مزيد من المعلومات، وليس مجرد كائن اقتصادي يسعى إلى زيادة دخله وتحسين ظروفه المعيشية، وهو ليس مجرد كائن مادي يركز على إشباع حاجاته المادية، وهو ليس مجرد مجموعة من الرغبات النفسية فيركز على تحقيق المتعة والراحة والإشباع الذاتي. فالإنسان كائن بالغ التعقيد والتركيب، وتجاهل أي بعد من أبعاده يؤدي إلى بناء رؤية ناقصة للتنمية وللحياة نفسها، وتؤثر سلبا على توازن الإنسان ككل.
عليه، فإن السؤال عن الإنسان ليس ترفا فكريا أو نقاشا فلسفيا مجردا، بل هو الأساس الذي تبنى عليه النظريات المتعلقة بالتربية والتنمية والإصلاح والتغيير. أما إذا نظرنا للإنسان باعتباره كيانا متكاملا يجمع بين الروح والنفس والقلب والعقل والجسد، فإن التنمية ستصبح مشروعا متكاملا لبناء الإنسان في جميع أبعاده. وهنا تحديدا يبدأ الاختلاف الجوهري بين التصور الإسلامي والتصور الغربي للإنسان وللتنمية.
الإنسان في الفكر الغربي الحديث: من مركزية الله إلى مركزية الإنسان
لفهم التصورات الغربية المعاصرة للتنمية الذاتية ينبغي العودة إلى الخلفية الفكرية التي نشأت فيها. فمع التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا منذ عصر النهضة ثم عصر التنوير، حدث انتقال تدريجي من مركزية الدين والكنيسة إلى مركزية الإنسان والعقل البشري. فأصبح ينظر للإنسان باعتباره محور الوجود ومركز الاهتمام ومصدر المعرفة والقرار. ومع توالي الحقب مثل التنويرية والصناعية والمعرفية ظهرت فلسفات إنسانية متعددة ذهبت إلى تأكيد قدرة الإنسان على صناعة مصيره وتشكيل واقعه وتحقيق ذاته ارتكازا على العقل والعلم والإرادة. وقد انعكست هذه الرؤية بوضوح على معظم أدبيات التنمية الذاتية الحديثة، فأصبح التركيز منصبا على اكتشاف القدرات الكامنة، وتعظيم الثقة بالنفس، وزيادة الإنتاجية والتحرر من القيود النفسية، وتحقيق الأهداف الشخصية، وتحقيق النجاح المهني والمالي، والمنافسة والتميز الفردي، وغيره.
لا شك أن كثيرا من هذه المفاهيم يحمل جوانب إيجابية مهمة، فالإسلام نفسه يدعو إلى القوة والسعي والإتقان والأخذ بالأسباب وعدم الاستسلام للعجز أو الفشل. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه المفاهيم إلى فلسفة تجعل الإنسان بمثابة المرجعية النهائية لكل شيء، وتصور له أنه قادر على تحقيق ما يريد بمجرد امتلاكه الإرادة أو التفكير أو الرغبة.
ظهرت خلال تلك المراحل مقولات تسعى لإقناع الإنسان بمفاهيم محددة مثل لا حدود لقدراتك، وأنت تصنع واقعك بالكامل، وكل ما تؤمن به يتحقق، والكون يستجيب لأفكارك، وهكذا من مقولات ومفاهيم وقناعات. هذه المفاهيم والقناعات قد تبدو بريئة ومحفزة للوهلة الأولى، لكنها تنطوي في بعض صورها على مبالغات تتجاهل حقيقة الإنسان كعبد لله، وتتجاوز حدود قدراته ورضوخه لطبيعة السنن الإلهية التي تحكم الكون والحياة.
الإنسان في الرؤية الإسلامية: مخلوق مكرم وعبد لله
أما الإسلام فيقدم رؤية مختلفة وأكثر شمولا وتوازنا للإنسان. فالإنسان في المنظور القرآني ليس مجرد كائن بيولوجي متطور، ولا مجرد عقل مفكر، ولا مجرد مجموعة من الغرائز والرغبات المنفلتة، وإنما هو مخلوق خلقه الله تعالى لغاية عظيمة وحمله مسؤولية كبرى. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الإسراء: 70. ويقول سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة: 30. ويقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات: 56.
تكشف هذه الآيات عن أبعاد أساسية في فهم الإنسان تؤكد أن الإنسان مخلوق مكرم، وأنه مستخلف في الأرض، وأنه عبد لله تعالى. وهذه الأبعاد يفترض أنها تشكل الإطار العام الذي تتحرك داخله التنمية الإنسانية من المنظور الإسلامي. فالإنسان في الإسلام لم يخلق عبثا وسدى، وهو ليس كائنا تافها أو عاجزا، بل هو مخلوق كرمه ربه وجعل له العقل والإرادة والقدرة على التعلم والتغيير والبناء والإصلاح. لكنه في الوقت نفسه ليس إلها صغيرا يدير الكون بإرادته، بل يظل عبدا لله، محدود العلم والقدرة، مدركا أن مشيئته وقدرته هي هبة إلاهية وهي جزء من المشيئة والإرادة الإلهية وليست قائمة بذاتها ولا منفضلة عنها، وأنه محتاجا دوما إلى الهداية والتوفيق والمعية والعون الإلهي.
الطبيعة المركبة للإنسان في الإسلام
من أعظم ما يميز التصور الإسلامي للإنسان أنه ينظر إليه بوصفه كيانا مركبا ومتعدد الأبعاد. فالإنسان روح تحتاج إلى الصلة الدائمة بالله والارتقاء في مدارج القرب من ربه سبحانه، وهو نفس تحتاج إلى التزكية والمجاهدة والتهذيب والصبر والتقويم المستمر، وهو قلب يحتاج إلى الإيمان والمحبة والطمأنينة، وهو عقل يحتاج إلى العلم والمعرفة والتفكير، وهو كذلك جسد يحتاج إلى الغذاء والراحة والصحة.
لهذا لم يركز القرآن الكريم على جانب واحد من جوانب الإنسان، بل خاطب جميع أبعاده. فخاطب النفس بالدعوة إلى التزكية والمجاهدة، وخاطب القلب بالدعوة إلى التفقة والإيمان والخشية والمحبة، وخاطب العقل بالدعوة إلى التفكير والتدبر والنظر في الكون، وخاطب الجسد بالتوجيهات المتعلقة بالصحة والعمل والكسب الحلال. ومن هنا فإن التنمية الحقيقية في المنظور الإسلامي لا تعني تنمية جانب واحد على حساب الجوانب الأخرى، وإنما تحقيق التوازن بين جميع مكونات الإنسان، حتى يكون ليدنا إنسان متوازنا داخليا وفاعلا إيجابا خارجيا.
تزكية النفس: المفهوم المحوري في التنمية الإسلامية
إذا كانت التنمية الذاتية الحديثة تدور غالبا حول تنمية وتطوير المهارات والقدرات الخارجية، فإن المفهوم المركزي في الرؤية الإسلامية هو مفهوم تزكية النفس. وقد أقسم الله تعالى على أهمية هذا الأمر قسما عظيما فقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ الشمس: 7-10.
هذه الآيات الكريمة تكاد تمثل الإعلان القرآني الأكبر عن فلسفة التنمية الإنسانية في الإسلام. فالنجاح والفلاح الحقيقي لا يرتبط فقط بما يحققه الإنسان خارج نفسه، بل بما يحققه داخل نفسه أولا. تشمل التزكية في معناها الواسع تطهير القلب من الحسد والكبر والرياء، وتنمية الفضائل الأخلاقية، وضبط الشهوات والأهواء، وتصحيح النيات، وتقوية الصلة بالله، والارتقاء المستمر في مدارج الإيمان. ومن هنا فإن الإسلام لا ينظر إلى التنمية باعتبارها مجرد اكتساب مهارة أو تحقيق هدف، بل باعتبارها عملية بناء متكاملة للإنسان من الداخل والخارج معا، تربط الحياة بالحيوان، ودنياه بآخرته في تواصل مستمر وغير منقطع.
بين بناء الإنسان وصناعة النجاح
نحو رؤية متكاملة للإنسان
من الملاحظ أن كثيرا من نظريات وبرامج التنمية الحديثة تركز على صناعة النجاح، بينما يركز الإسلام على بناء الإنسان. والفرق بين الأمرين كبير. فقد ينجح الإنسان في جمع المال دون أن يكون أمينا. وقد ينجح في الوصول إلى السلطة دون أن يكون عادلا، وقد ينجح في اعتلاء المناصب دون أن يكون صالحا. أما الإسلام فيسعى أولا إلى بناء الإنسان الصالح، لأن النجاح الذي لا يستند إلى الأخلاق والقيم قد يتحول إلى أداة للفساد بدلا من أن يكون وسيلة للإصلاح. لذا فإن جوهر المشروع الإسلامي ليس مجرد تحقيق الإنجازات، بل صناعة الإنسان الذي يحسن توظيف تلك الإنجازات في الخير والحق والعدل.
إن التأمل العميق في التصور الإسلامي للإنسان يكشف لنا أن الإسلام لا يعارض التنمية ولا يرفض تطوير الذات، بل يدعو لها ويقدم مفهوما أكثر شمولا واتساعا وعمقا للتنمية الإنسانية. فهو يدعو إلى القوة لكنه يربطها بالأمانة، ويدعو إلى النجاح لكنه يربطه بالمسؤولية، ويدعو إلى الثقة بالنفس لكنه يربطها بالتواضع، ويدعو إلى الطموح لكنه يربطه بالتقوى، ويدعو إلى عمارة الأرض لكنه يربطها بعبادة الله تعالى. عليه فإن الإنسان في الرؤية الإسلامية ليس مشروع نجاح مادي فحسب، وهو في الوقت نفسه ليس مشروع تزهد وانعزال عن الحياة، بل هو مشروع متكامل يجمع بين الداخل والخارج، وبين الإيمان والعمل، وبين إصلاح النفس وعمارة الأرض. عليه، فإن الرؤية الإسلامية هي في جوهرها رؤية متكاملة تربط بين تزكية النفس وتنمية الذات وتطويرها.
في المقال القادم، إن شاء الله، سننتقل إلى الحديث عن الرؤية المادية والإسلامية لمفهومي النجاح والفلاح وما يرتبط بهما من قضايا السعادة والطمأنية وتحقيق الذات وتحقيق العبودية لله تعالى.