عروس الرمال … الجوهرة
الأحد، 11 أغسطس 2024
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
صحيفة الراية القطرية
فاجأني الأخ الصديق المهندس صلاح الجاك في رسالة رقيقة بعث بها عبر البريد الإلكتروني أن اثنان من أبطالنا الذين مثلوا السودان في تصفيات الأولمبياد المقامة في العاصمة الفرنسية باريس رغم أن كليهما يحملان الجنسية الأمريكية غير أنهما قررا المشاركة بإسم السودان بدلاً عن موطنهما بالتجنس الولايات المتحدة الأمريكية والبطلان هما ياسين عبدالله في مضمار العدو وزياد سليم في محافل السباحة العربية والأفريقية ونال فيها عدة جوائز.
أياً كانت النتائج التي حققها البطلان أو سيحققانها في الدورة الأولمبية باريس 2024 فإنه ورغم صغر سنهما يكفيهما شرفاً وعزة أنهما قررا أن يرفعا علم السودان في هذا المحفل الرياضي الهام، خاصة وأن الوطن الأم يئن في هذه الأيام والشهور المتطاولة من وطأة الحرب العبثية التي حولته إلى محرقة وشردت أهله ونهبت مقدراته دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل للخروج من هذا الغيهب الذي حشرتنا فيه شهوة السلطة والرغبة في التسلط لامتطاء ظهر الوطن مجدداً بعد كل تلك السنوات العجاف.
يكفيني فخراً ما قاله البوص صلاح الجاك من أن هذان البطلان من شمال كردفان وبالتحديد من مدينة الأبيض -الجوهرة- عروس الرمال, وصلاح بدوره نبتة كردفانية أصيلة يذكرني على الدوام بشجر التبلدي شموخاً وعزة وكبرياء … وليس غريباً أن يكون ياسين وزياد من مدينة واحدة هي الأبيض العز والشموخ, وهما اللذان حرصا أن يبقى علم السودان عالياً خفاقاً رغم تجاهل العالم للمطحنة الدائرة هناك.
ليس غريباً ان يكون جد ياسين المرحوم بشير البكري وأن يكون جد زياد عمنا الراحل حسن قرين وهو قريب وصديق لوالدنا عيسى عليهما رحمة الله … فالأبيض هي منبت الرجال والحديث عنها هو حديث عن الماضي والحاضر والمستقبل … حيث مثلت تلك المدينة الشامخة ترساً قوياً من تروس التاريخ وكانت بوابة النصر للسودان في زمن المهدية وتحولت إلى مرجل خلال سنوات الاحتلال الثنائي وأعطت الكثير بعد الإستقلال.
خلال تلك السنوات وما تلاها قدمت الأبيض للسودان رموزاً باهرة في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والتعليمية والفنية وأثرت الوجدان القومي, وكانت ولا تزال رحماً يحتوي كل القبائل والجماعات التي وجدت فيها ملاذاً في مواجهة المحن والأزمات ولم تلفظ المدينة أحداً بل احتوت الجميع في أمومة وأبوة اعترف بها الغرباء قبل الأقرباء وهي بالفعل حاضرة كردفان “الغرة أم خيراً جوة و برة”.
الشكر للمهندس صلاح الجاك الذي أيقظ فينا وهو يكتب عن ياسين وزياد في الأولمبياد ذلك الألق المشوب بالحب والعرفان لمدينة الأبيض التي تمثل في الحاضر الوعد القادم كما تسمى لؤلؤة مدن السودان … إن كان الحاضر قاتماً فإن المستقبل هو الركيزة التي نتكئ عليها جميعاً لننظر معاً ماذا يمكن أن نفعل من أجل هذه المدينة “الأم الرحوم” … وعلينا أولاً أن نعمق الإنتماء لتلك الأرض التي نحبها جميعاً بدرجات متفاوتة … وأن يتحقق ذلك عن طريق العمل الجماعي في كل المواقع حتى يعود للأبيض وهجها القديم والمتجدد … فهي أرض الهجانة الذين يزودون عن الوطن بشجاعة وبسالة نادرة … وأصبحوا نبراساً للبطولة.
أذكر أنني كنت برفقة الشاعر الكبير الراحل نزار قباني خلال زيارته ل “سوق أبوجهل” بعد أمسية شعرية محضورة في نادي الخريجين بالأبيض وأعجب ببعض الأطباق اليدوية الصنع ورغب في إقتناء بعض منها, فخرج إليه أحد أصحاب المحلات وقال له “هذه هدية منا لك يا أستاذ نزار” … بهت الرجل وتساءل بدهشة طفولية: هل تعرفني؟ فأجاب بنعم وأضاف كنا بالأمس حضوراً في أمسيتك الشعرية التي استمتعنا بها … طلب نزار أن تلتقط له صوراً تذكارية مع أولئك الرجال البسطاء بسوق أبو جهل.
هذا نموذج واحد للمدينة التي كانت تضج بالفعاليات الثقافية والفنية والرياضية … وحتى الدكتورة عائشة عبدالرحمن الشهيرة ب “بنت الشاطئ” وقفت على خشبة مسرح فنون كردفان بعد أن استمعت لكلمات الإشادة والثناء بما تمثله من وعي أنثوي متطور ومواكب للعصر وقالت “جئت ألقي عليكم البيان فصار البيان عصياً بين شفتي … لكم الشكر والمحبة” … وترجلت وعيناها مغرورقة بالدموع.
يكفينا فخراً أن ياسين عبدالله وزياد سليم أبطال رفعوا رؤوسنا في أكبر محفل رياضي حاملين علم بلادهم الحبيبة -رغم الأحزان والأوجاع- والتحية لأميرة موسى والدة ياسين والتحية مكررة للإبنة عزة والدة زياد سليم والرحمة لجديهما محمد مالك محمد علي وفاطمة حسن قرين والتحية لبطلنا المجدف عبدالله العربي الذي قدم من تونس والبطلة رنا هاني التي وصلت باريس من دولة الإمارات … ويكفي هؤلاء الأبطال الأربعة أنهم قدموا ليرفعوا رأسنا عالياً بين الأمم وهو ما نتمناه لأولادنا وأحفادنا.