شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
حراس الذاكرة: حينما تتوحد الدبلوماسية والشعب لاستعادة “روح السودان”
في لحظة تاريخية فارقة، وبينما يحاول البعض العبث بملامح الهوية السودانية، جاء اللقاء الذي جمع السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير السودان بالقاهرة، بالسيد أحمد الجنيد، مدير مكتب اليونسكو بالخرطوم، ليعيد ترتيب الأوراق ويؤكد أن معركة استرداد التراث ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي معركة وجود وطني بامتياز.
إن التحرك الدبلوماسي الرفيع في القاهرة، والذي تزامن مع ورش عمل متخصصة لحماية التراث ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، يمثل “حائط الصد” الأول. لكن القيمة الحقيقية لهذا التحرك تكمن في رؤيته الشاملة التي لا تكتفي بالترميم المادي، بل تمتد لتشمل التعافي وإعادة الإعمار.
لم يكن اللقاء بروتوكوليًا، بل وضع النقاط على الحروف في قضايا جوهرية ومنها حماية الهوية والتصدي لمحاولات طمس ذاكرة أمة تمتد من “كرمة” إلى “مروي” والتمكين المجتمعي بالتركيز على تدريب الشباب والمرأة والصحفيين، إيمانًا بأن الوعي هو الحارس الحقيقي للأثر، ومناشدة الدعم الدولي وتثمين دور اليونسكو كشريك استراتيجي في مرحلة الاستجابة للأزمات.
إن ما حدث في فندق “الربوة” ببورتسودان مؤخرًا من احتفاء باسترداد قطع أثرية منهوبة، هو الثمرة العملية لهذا التناغم. وهنا يجب أن نسلط الضوء على “الثلاثية” التي ستحمي مستقبلنا الحضاري وتشمل الإرادة الرسمية التي تتبع المسارات القانونية والدبلوماسية لاستعادة المنهوبات، وتخطط لإنشاء متاحف في كل ولاية للامركزية الحماية، ومساندة المجتمعات المحلية والمنظمات، وهنا يبرز دور كيانات مثل “أصدقاء السياحة السودانية“، التى اتشرف بقيادتها، التي تحول الشاب السوداني من مجرد مشاهد إلى “حارس” واعٍ يدرك أن الحجر الأثري هو صك ملكيته لهذا الوطن، بالاضافة الى الإعلام السياحي المتخصص الذي يتجاوز نقل الخبر إلى التوثيق والتحشيد، ليكون “العين الساهرة” التي تفضح التخريب وتُبشر بالعودة.
“إن استرداد الآثار ليس مجرد عودة لأحجار صماء، بل هو استرجاع قطع من روحنا الجماعية التي حاولوا انتزاعها.”
إن الاعتداء الممنهج على متاحفنا وصروحنا الأثرية كان يهدف لكسر الكبرياء الوطني، لكن النتيجة جاءت عكسية؛ فقد توحدت القوى الوطنية لتعلم العالم أن الحضارة التي نبتت على ضفاف النيل لا تموت بالتقادم ولا تضيع بالنهب.
إن الاستثمار في التدريب المهني للشباب في مجالات الترميم والسياحة، ودعم دور المرأة في الحفاظ على التراث غير المادي، هو الضمانة الأكيدة بأن مرحلة “إعادة الإعمار” لن تكون بناء جدران فقط، بل إحياء لذاكرة أمة تأبى الانكسار.
ختاماً: إننا أمام فجر جديد يتطلب منا جميعاً أن نكون “سفراء” لحضارتنا. التراث هو الركيزة التي نقف عليها اليوم لنبني مستقبل غدٍ مستقر ومزدهر.