كيف يصحح القرآن أحد أكثر المفاهيم التباسًا في الفكر السياسي الإسلامي؟
عندما تُذكر الشورى في الخطاب الإسلامي المعاصر، ينصرف الذهن غالبًا إلى قضية واحدة: اختيار الحاكم. حتى كأن الشورى تنتهي بمجرد اختيار القيادة أو إجراء البيعة. غير أن هذه القراءة، على شيوعها، تختزل مفهومًا قرآنيًا واسعًا في وظيفة واحدة، بينما يقدم القرآن تصورًا أعمق وأشمل.
ومن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، يتبين أن الشورى ليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وإنما منهج دائم في إدارة السلطة.
وقد لا ترد كلمة الشورى في سورة النمل، لكن السورة تعرض ممارستها العملية بأوضح صورة.
فحين جاء الهدهد بخبر مملكة سبأ، لم يتخذ سليمان قرارًا متعجلًا، ولم يبن موقفه على الظنون، بل بدأ بالتحقق من المعلومات:
﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
وهذه أول خطوة في أي قرار راشد؛ إذ لا شورى بلا معرفة، ولا معرفة بلا تحقق.
ثم ينتقل القرآن إلى مشهد آخر داخل مملكة سبأ، حين جمعت الملكة قادة قومها وقالت:
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾
وهنا يقدم القرآن مشهدًا مؤسسيًا بالغ الدلالة؛ فصاحبة القرار لا تستبد به، ولا ترى في المشاورة انتقاصًا من هيبتها، بل تجعلها جزءًا من عملية صناعة القرار.
ومع أن الملأ أجابوها بلغة القوة:
﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾
إلا أنها لم تنجر إلى منطق القوة وحده، بل واصلت التفكير في العواقب، واستحضرت خبرة التاريخ، فقالت:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا…﴾
إنها ليست مجرد مشاورة شكلية، وإنما إدارة جماعية للقرار.
ومن هنا نستطيع أن نستخلص أن الشورى في القرآن ليست حدثًا يقع مرة واحدة عند اختيار الحاكم، بل منظومة مستمرة تبدأ بجمع المعلومات، ثم تداول الرأي، ثم تقدير المآلات، ثم اتخاذ القرار، ثم تحمل المسؤولية عن نتائجه.
ولعل هذا الفهم يساعد في تفسير جانب من الإخفاق الذي شهدته بعض التجارب الإسلامية المعاصرة. فقد اهتمت بتأكيد شرعية الوصول إلى السلطة، لكنها لم تمنح المؤسسات الشورية القدر نفسه من الاستقلال والفاعلية. فتحولت الشورى في بعض الأحيان إلى إجراء شكلي يسبق القرار أو يبرره، بدل أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعته.
وفي التجربة السودانية، كما في غيرها من التجارب، برز هذا التحدي بوضوح؛ إذ طغت أحيانًا مركزية القرار على البناء المؤسسي، وضعفت آليات المراجعة والمساءلة، فانكمشت دائرة الاجتهاد الجماعي واتسعت دائرة القرار الفردي. وليس المقصود هنا محاكمة تجربة بعينها، وإنما التنبيه إلى سنة قرآنية عامة؛ فكلما ضعفت الشورى الحقيقية ضعفت معها قدرة الدولة على تصحيح أخطائها قبل أن تتفاقم.
إن القرآن لا يقدم الشورى باعتبارها ترفًا سياسيًا، ولا تنازلًا من الحاكم، وإنما يجعلها جزءًا من الأمانة التي يحملها كل من تولى شأنًا من شؤون الناس. ولذلك فإن قوة الدولة لا تقاس بعدد القرارات التي يصدرها القائد منفردًا، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تتبادل المعرفة، وتراجع الأداء، وتصحح المسار.
ومن هنا يمكن صياغة أحد القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:
كلما تحولت الشورى من قيمة مؤسسية إلى إجراء شكلي، بدأت الدولة تفقد قدرتها على التعلم من أخطائها، وأصبح القرار أسيرًا لرؤية الفرد لا لحكمة الجماعة.
إن إعادة بناء الفكر السياسي الإسلامي لا تبدأ بالسؤال: من يحكم؟ بل بالسؤال الأعمق: كيف تُدار عملية اتخاذ القرار؟ فالحاكم العادل يحتاج إلى مؤسسات عادلة، كما تحتاج النيات الصالحة إلى أنظمة تمنع الخطأ قبل وقوعه، لا أن تكتفي بمعالجته بعد حدوثه.
وهكذا ينقلنا القرآن من مفهوم الشورى بوصفها آلية لاختيار الحاكم إلى مفهومها بوصفها بنية مؤسسية لإدارة الدولة؛ وهي نقلة فكرية بالغة الأثر في أي مشروع يسعى إلى إقامة العمران على هدي الوحي.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف المفاهيم القرآنية في سياقها الكلي، واستخراج السنن الحاكمة لبناء الإنسان والمجتمع والدولة، بما يفتح آفاقًا جديدة في تأسيس نظرية قرآنية في السياسة والعمران والحضارة.