صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… السودانيون في مصر: بين انضباط الجالية وسيادة القانون

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

السودانيون في مصر: بين انضباط الجالية وسيادة القانون

في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبفعل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب في السودان، برزت القاهرة كحضن دافئ وملاذ آمن لملايين السودانيين. ومع حجم هذا الوجود الذي يقدر بنحو 6 ملايين نسمة، كان من الطبيعي أن تظهر بعض التحديات التنظيمية، خاصة في ملفي التعليم والإقامة. إلا أن ما كشفته سفارة السودان بالقاهرة مؤخراً يضع النقاط على الحروف، ويفند الشائعات التي حاولت اصطياد العكر في مياه العلاقات الأزلية بين البلدين.

إن قرار إغلاق عدد من المدارس السودانية في بعض المحافظات المصرية لم يكن استهدافاً للجالية، بل هو إجراء تنظيمي وقانوني بحت. الدولة المصرية، كأي دولة ذات سيادة، تضع معايير فنية وجغرافية للمؤسسات التعليمية لضمان سلامة الطلاب. فالتواجد داخل أحياء سكنية مزدحمة أو في بنايات غير مستوفية للشروط، فضلاً عن المظاهر الاحتفالية الصاخبة التي أثارت شكاوى الجيران، كانت هي المحرك الأساسي لهذه الخطوة.

الرسالة الأهم هنا هي ما نقله المستشار الثقافي، الدكتور عاصم أحمد حسن، من أن الجهود مستمرة لتوفيق أوضاع 145 مدرسة، مع طمأنة طلاب الشهادة السودانية بأن امتحاناتهم قائمة في موعدها (13 أبريل)، مما يعكس تنسيقاً رفيعاً لا يتأثر بالعقبات الإدارية العابرة.

من المؤسف أن نرى بعض المنصات تسعى لنشر “خطاب كراهية ممنهج” بادعاء أن هناك طلباً سودانياً للتضييق على المواطنين في مصر. وقد جاء رد السفير الفريق أول ركن عماد الدين عدوي حازماً بوصف هذه الادعاءات بأنها “أوهام وتجنٍ وتجاوز للخطوط الحمراء”.

إن الأرقام تتحدث بلسان أصدق من الشائعات؛ فوجود 400 سجين فقط من بين 6 ملايين سوداني هو شهادة ناصعة على انضباط هذه الجالية واحترامها للقوانين المصرية. هذا الانضباط هو الذي دفع الحكومة المصرية لتقديم تسهيلات استثنائية، منها:
توجيهات وزير العمل المصري بمنح تصاريح عمل للسودانيين.
إقرار تخفيضات ملموسة في رسوم تصاريح العمل.
تخصيص منح تعليمية سخية من الأزهر الشريف ومبادرة (EGYAID).

يجب أن يدرك كل سوداني في مصر أن “الخصوصية” التي تتمتع بها العلاقة بين البلدين لا تعني الفوضى أو تجاوز القوانين المنظمة للوجود الأجنبي. إن حمل الأوراق الثبوتية والالتزام بضوابط الإقامة هو الضمانة الوحيدة لحماية الفرد وصورة الجالية ككل. الإجراءات التأمينية الحالية تشمل جميع الأجانب ولا تستهدف السودانيين بعينهم، وهي حق أصيل للدولة المصرية لحماية أمنها القومي الذي هو امتداد للأمن القومي السوداني.

ختاماً، إن ما يربط الخرطوم بالقاهرة أكبر من أن تزعزعه أزمة مدرسة غير مرخصة أو شائعة مجهولة المصدر. نحن أمام مرحلة تتطلب وعياً قانونياً من المواطن السوداني، ومرونة إدارية من السلطات، وهو ما نلمسه بوضوح في تحركات السفارة الحالية. ستظل مصر هي الشقيقة الكبرى، وسيظل السودانيون هم “أصحاب الدار” طالما كان القانون هو المظلة التي تجمع الجميع.

مصدر المقال

 

القوات المسلحة – الأحد – ١-٢- ٢٠٢٦م

 

لتصفح صحيفة القوات المسلحة العدد الصادر يوم 01 فبراير 2026، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا  ……!

Comments (0)
Add Comment