صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… توطين الاستشفاء: معركة البناء في زمن التحدي

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

توطين الاستشفاء: معركة البناء في زمن التحدي

بينما تضع الحرب أوزارها أو تشتد في جبهات أخرى، تبرز “معارك البناء” أصدق تعبير عن إرادة الشعوب في البقاء والانتصار. إن المشروعات القومية الكبرى، لا سيما في القطاع الصحي، ليست مجرد طوب وأسمنت، بل هي رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن الدولة تستعيد زمام المبادرة، وأن “توطين العلاج” هو حائط الصد الأول للأمن القومي.

لطالما ارتبطت المدن الطبية الكبرى في وجدان الشعوب بالتحول من “إدارة الأزمة” إلى “صناعة المستقبل“. في السودان، تأتي خطوة المدينة الطبية الكبرى في الخرطوم لتمثل حجر الزاوية في مرحلة إعادة الإعمار. هذه المدينة التي كانت شاهدة كقلعة صمود في فترات الصراع، تتحول اليوم بقرار سيادي إلى قلعة للحياة.

إن هذا التحول يحمل دلالتين؛ استعادة الثقة ودعوة الكوادر المهاجرة والطيور المهاجرة للعودة والمساهمة في بناء الوطن، فالطبيب السوداني المشهود له عالمياً يحتاج إلى بيئة عمل تضاهي ما وجده في الخارج، بالاضافة الى السيادة الصحية وإنهاء حقبة “فاتورة العلاج بالخارج” التي تستنزف العملة الصعبة وتضع كرامة المواطن تحت رحمة السفر والانتظار.

في الجوار، تقدم الدولة المصرية نموذجاً عملياً في تحويل “الحلم” إلى واقع ملموس عبر مشروع “مدينة العاصمة الطبية“. هناك نقاط تقاطع جوهرية يمكن استلهامها لضمان نجاح المشاريع الطبية الكبرى في السودان، ومنها التكامل الأكاديمي والبحثي، حيث لم تعد المستشفيات مجرد غرف للعمليات، بل مراكز بحثية وجامعات أهلية متخصصة. النموذج المصري الذي يضم 18 معهداً وجامعة لعلوم الطب والتكنولوجيا، يعلمنا أن الاستدامة تبدأ بتخريج كوادر مدربة داخل نفس المنظومة، بالاضافة الى شراكات الإدارة الحديثة (PPP) والتوجه نحو “الإدارة المشتركة” بين الدولة والقطاع الخاص أو الشريك الأجنبي هو المسار الأسرع لتحقيق الجودة.

فبينما تتولى الدولة الإدارة الطبية والسياسات العلاجية، يمكن للشركاء الدوليين إدارة المرافق والخدمات المساعدة، مما يضمن كفاءة التشغيل ومعايير عالمية، يؤدي الأمر الى الشمولية والقدرة الاستيعابية والتخطيط لآلاف الأسرة (أكثر من 4 آلاف سرير في النموذج المصري) يعكس رؤية بعيدة المدى لاستيعاب الزيادة السكانية وتقديم خدمات الطوارئ والعناية المركزة تحت سقف واحد.

الهدف الأسمى لهذه المدن الطبية يتجاوز مجرد علاج المرضى المحليين؛ إنها تهدف إلى تحويل الدولة إلى “مركز إقليمي” للسياحة العلاجية. السودان بموقعه الاستراتيجي وعمقه الأفريقي، مؤهل تماماً ليكون وجهة علاجية لجيرانه، تماماً كما تخطط مصر بجعل مدينتها الطبية الجديدة أيقونة في المنطقة.

إن بناء المدن الطبية في توقيتات حرجة هو إعلان صريح عن انتصار “حكومة الأمل” على خيارات الهدم. إنها دعوة لكل السودانيين في الداخل والمهجر للالتفاف حول مشروع وطني يعيد للخرطوم بريقها كمنارة للعلم والطب. فالمعركة التي تخرج منها الأوطان منتصرة، هي تلك التي تضمن للمواطن سريراً في مستشفى حديث، وتعليماً طبياً مرموقاً، وحياة كريمة فوق أرضه.

مصدر المقال

 

 

لتصفح صحيفة القوات المسلحة العدد الصادر يوم الخميس 22 يناير 2026، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا  ……..!

Comments (0)
Add Comment