خبر وتحليل : عمار العركي
1/ منذ الإعلان عن تشكيل لجنة تهيئة وتيسير الحوار السوداني–السوداني، برز سؤالان أساسيان: الأجندة والثقة. هل اللجنة مكلفة فعلا بتهيئة المناخ وجمع السودانيين، أم أن لديها تصورا مسبقا لأطراف الحوار وأجندته ومآلاته؟ المؤتمر الصحفي الأول قدم إجابة أولية مهمة: شكل المؤتمر وطريقة إدارة الأسئلة وتباين بعض الإجابات عكس قدرا من التلقائية، وأكد أن اللجنة لم تأت بإجابات جامدة أو سيناريو معد سلفا.
2/ البيان الصحفي كان أكثر وضوحا في تعريف مهمة اللجنة . فهي لا تطلق الحوار ولا تحدد أجندته، وإنما تعمل على تهيئة المناخ، وبناء الثقة، وتيسير المشاورات الأولية حول شكل الحوار ومنهجه وضماناته، مع التأكيد على عدم فرض مسار أو أجندة مسبقة.
3/ في المؤتمر، بدا أن هذا الحد الفاصل بين التهيئة والحوار لم يكن حاضرا بالدرجة نفسها في جميع الإجابات. وهو أمر يمكن تفهمه في المؤتمر الأول، لكنه في الوقت نفسه يكشف حاجة اللجنة إلى مزيد من الضبط في تعريف ما يدخل في اختصاصها الآن، وما ينبغي تركه للجنة الحوار الرئيسية لاحقا.
4/ باشمهندس عثمان ميرغني، بصفته الناطق الرسمي، تصدى لغالبية الأسئلة، وكان الأكثر غوصا في التفاصيل. وفي عدد من إجاباته بدا وكأنه يتحرك من مساحة التعريف بمهمة لجنة التهيئة إلى قضايا هي في الأصل من صميم الحوار نفسه، الأمر الذي جعل بعض الإجابات تتقاطع مع اختصاص اللجنة الرئيسية.
https://chat.whatsapp.com/Eqfe5IFvhQ2HHkMIBACtrC?s=cl&p=a&
5/ من أبرز النقاط التي تستحق التوقف، مسألة الإقصاء والمشاركة. فالبيان نص بصورة واضحة على التوجه إلى القوى السياسية والمدنية والمجتمعية كافة، دون إقصاء، وعلى بلورة أجندة تشاركية دون فرض مسار مسبق. لكن إحدى إجابات عثمان ميرغني تحدثت عن استثناء من عليهم «تحفظات سياسية»، وهو تعبير يفتح بالضرورة سؤالا: من يحدد هذه التحفظات؟ وما معيارها؟ وهل نتحدث عن استبعاد أم عن ضوابط للمشاركة؟
6/ اللافت أن هذا الالتباس لم يترك دون معالجة؛ فقد جاءت مداخلة استدراكية من أحد أعضاء اللجنة أعادت تغطية ما أثير، وأسهمت في إعادة التوازن إلى المؤتمر، خصوصا مداخلة عضو اللجنة عثمان ميرغني عبدالله في ختام المؤتمر. وهذه نقطة إيجابية، لأنها أظهرت أن داخل اللجنة مساحة للنقاش والتصحيح، وليست بالضرورة أمام خطاب واحد مغلق.
7/ الإعلامية سارة الطيب طرحت السؤال الأكثر جوهرية من الناحية الاستراتيجية: ما الوسائل والطرق التي ستتبعها اللجنة لمعالجة أزمة السودان؟ وهو سؤال طبيعي ومشروع، لكنه اصطدم بما ظهر في أكثر من إجابة خلال المؤتمر من أن بعض القضايا المطروحة سابقة لأوانها، أو أنها من اختصاص لجنة الحوار الرئيسية.
8/ إجابة عثمان ميرغني على سؤال سارة الطيب عن قوالب ووسائل التهيئة ذهبت إلى توصيف الطريق أكثر من تحديد أدواته: هناك تحديات، والطريق شاق وصعب، لكنه ليس مستحيلا. وهي إجابة واقعية في تقدير حجم المهمة، لكنها لم تجب بصورة مباشرة عن «كيف؟»، أي ما الأدوات والآليات العملية التي ستستخدمها اللجنة في مرحلة التهيئة.
9/ ربما كانت أهم نقطة في حديث الناطق الرسمي هي تأكيده في الختام أن مهمة اللجنة تنتهي بالتهيئة وجمع السودانيين، ما لم يتوافق السودانيون ويرتضوا تحويل لجنة التهيئة إلى لجنة الحوار الرئيسية. وهذه الإجابة تعيد وضع حدود واضحة بين المرحلتين، وتؤكد أن اللجنة لا يفترض أن تستبق الحوار نفسه.
10 هنا تحديدا تظهر أهمية عنوان اللجنة: تهيئة الحوار. فالتهيئة ليست وضع أجندة الحل، وليست تحديد شكل الدولة المقبلة، وليست الاتفاق على مخرجات الحوار. هي بناء البيئة التي تسمح للسودانيين بالجلوس إلى بعضهم، والاستماع إلى المخاوف والهواجس، والاتفاق أولا على قواعد الحوار نفسه.
11/ البيان وضع أيضا جملة من الضمانات المطلوبة من الدولة، بينها حماية المشاركين ومقار وقاعات الحوار، وعدم استخدام سلطة الدولة للتأثير على مخرجاته، مع التأكيد على أن دور الدولة هو توفير البيئة الآمنة والضمانات والحماية، دون التدخل في تحديد الأطراف أو الأجندة أو النتائج. وهذه من أكثر القضايا التي ستحتاج إلى نقاش عملي وقانوني في المرحلة المقبلة.
12/ لذلك فإن نجاح اللجنة لن يقاس بعدد المؤتمرات الصحفية ولا بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرتها على الانتقال من الكلام عن التهيئة إلى ممارسة التهيئة: الاستماع إلى القوى المختلفة، تحديد نقاط الخلاف، بناء الحد الأدنى من الثقة، ثم الوصول إلى أرضية مشتركة حول قواعد الحوار وضماناته ومشاركة أطرافه.
13/ المؤتمر الأول لم يحسم كل الأسئلة، لكنه ربما لم يكن مطالبا بحسمها. الأهم أنه كشف طبيعة المهمة وصعوبتها، وأظهر أن اللجنة نفسها ما تزال في طور تعريف حدود دورها وآليات عملها.
14/ الملاحظة الأخيرة والأهم: إذا كانت اللجنة تريد أن تقنع السودانيين بأنها لجنة تهيئة وليست لجنة حوار، فإن أفضل وسيلة لبناء الثقة معها هي أن تلتزم بهذا الحد الفاصل بوضوح: لا تفرض أجندة، لا تحدد مسبقا من يتحاور، لا تقدم حلولا باسم السودانيين، وإنما تهيئ المناخ وتجمع السودانيين وتترك لهم مهمة الحوار وصناعة مخرجاته.
خلاصة الملاحظات: المؤتمر كشف عن لجنة تبدو تلقائية أكثر مما تبدو موجهة، لكنه كشف في الوقت نفسه تفاوتا في مستوى الإجابات والاجتهادات. وما بين التلقائية والاجتهاد، تحتاج اللجنة الآن إلى رسالة أكثر تماسكا: نحن نهيئ للحوار، ولا نخوض الحوار نيابة عن السودانيين.