مدخل قرآني لمشكلات المجتمع السوداني | أ. د طارق الصادق عبد السلام يكتب …… العلاقات الدولية في القرآن: كيف يدير القرآن العلاقة مع الآخر؟

مدخل قرآني لمشكلات المجتمع السوداني
أ. د طارق الصادق عبد السلام

العلاقات الدولية في القرآن
كيف يدير القرآن العلاقة مع الآخر؟

حين يتحدث الفكر السياسي المعاصر عن العلاقات الدولية، فإنه غالبًا ينطلق من موازين القوة، أو المصالح، أو الصراع على النفوذ.
أما القرآن، فينطلق من سؤال مختلف:
كيف تُدار العلاقة مع الأمم الأخرى بما يحقق رسالة الاستخلاف؟
ومن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، تكشف سورة النمل أن القرآن يقدم نموذجًا متكاملاً في إدارة العلاقات الدولية، يوازن بين القوة، والحكمة، والعدل، والدعوة.
فلم تكن سبأ عدوًا اعتدى على سليمان.
ولم تكن تشكل خطرًا عسكريًا مباشرًا.
ومع ذلك لم يتجاهلها، لأن رسالته لم تكن رسالة حدود سياسية، وإنما رسالة هداية للإنسان.
لكن اللافت أن أول خطوة لم تكن إرسال جيش.
بل إرسال رسالة.
قال تعالى:
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾
إن الدولة القرآنية تبدأ بالحوار.
وتبدأ بالتواصل.
وتبدأ بعرض الحقيقة.
قبل أن تفكر في استخدام وسائل القوة.
بل إن الرسالة نفسها جاءت بلغة تجمع بين الحزم والاحترام.
لم تتضمن سبابًا.
ولا استعلاءً.
ولا تهديدًا أجوف.
بل تضمنت دعوة واضحة:
﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾
ثم ينقل القرآن مباشرة طريقة تعامل الطرف الآخر.
فالملكة لم تمزق الرسالة.
ولم تعتقل حاملها.
ولم تتخذ قرار الحرب منفردة.
بل دعت مجلسها إلى التشاور.
وهنا يقدم القرآن درسًا بديعًا.
إنه يعرض لنا حوار دولتين، لا مجرد حوار شخصين.
ويعرض لنا كيف تُدار الأزمات الدولية بالعقل قبل السلاح.
ثم جاءت الهدية.
وهنا تظهر عبقرية القيادة عند سليمان.
فلم يرفضها لأنها هدية.
ولم يقبلها لأنها منفعة.
بل قرأ الرسالة السياسية الكامنة وراء الهدية.
لقد أدرك أنها محاولة لاختبار موقفه، وربما لتحويل القضية من قضية رسالة إلى قضية مصالح.
فأعاد تعريف العلاقة كلها.
إن القضية ليست تجارة.
وليست تبادل منافع.
إنها قضية رسالة.
وهذا من أعمق الدروس في السياسة القرآنية.
فالقيادة الناجحة لا تقرأ ظاهر الأحداث فقط، بل تقرأ مقاصدها.
واليوم، وبعد قرون طويلة، ما زالت هذه القاعدة صالحة.
فكثير من الدول لا تخسر بسبب ضعف القوة العسكرية، وإنما بسبب سوء قراءة نيات الآخرين.
ولهذا فإن القرآن لا يعلمنا فقط كيف نخاطب الآخرين، وإنما يعلمنا كيف نفهمهم.
ولعل من أبرز ما تحتاج إليه الأمة اليوم هو الانتقال من الانفعال في العلاقات الدولية إلى فقه المآلات.
فالسياسة ليست ردود أفعال.
وليست شعارات.
بل هي علم بتقدير النتائج قبل وقوعها.
وهذا ما فعلته ملكة سبأ أيضًا حين قالت:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا…﴾
لقد كانت تقرأ التاريخ قبل أن تتخذ قرارها.
ولذلك نجت قومها من حرب لم تكن ضرورية.
وهنا تتجلى إحدى خصائص النموذج القرآني.
إنه لا يصنع قادة يجيدون القتال فقط.
بل يصنع قادة يجيدون منع الحروب حين يكون السلام أقدر على تحقيق المقصد.
وهذا ما يجعل سورة النمل تقدم رؤية متوازنة للعلاقات الدولية؛ فلا هي رؤية استسلامية تفرط في الحقوق، ولا هي رؤية صدامية تجعل القوة اللغة الوحيدة.
إنها رؤية تجعل الرسالة هي التي تقود السياسة، لا السياسة هي التي تعيد تشكيل الرسالة.
ومن هنا يمكن أن نصوغ أحد القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:
كل علاقة دولية تنفصل عن المقصد الأخلاقي تتحول إلى صراع مصالح، وكل سياسة تجعل الرسالة والعدل والحكمة إطارًا للقوة تكون أقرب إلى النموذج القرآني في الاستخلاف.
ولعل هذا من أهم الدروس التي تحتاج إليها المجتمعات الإسلامية اليوم.
فالعالم لا يحترم الضعفاء، لكنه لا يحترم أيضًا من يجعل القوة وسيلته الوحيدة.
أما القرآن، فيبني أمة تمتلك القوة، لكنها تجعل الحكمة قائدتها، والعدل ميزانها، والهداية غايتها.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يهدف إلى استخراج النظرية القرآنية في الإنسان والمجتمع والدولة والعلاقات الدولية، من خلال القراءة المضمونية المتكاملة للسور القرآنية، وربطها بسنن العمران وقوانين الحضارة.
ومع تقدمنا في هذه السلسلة. إن ما نستخرجه من سورة النمل لا يقتصر على “فقه سياسي” بالمعنى التقليدي، بل يقترب من نظرية قرآنية في علم السياسة. فالقرآن هنا لا يعالج أحكامًا جزئية، وإنما يبني مفاهيم كلية: العلم، والسلطة، والمؤسسة، والقرار، والعدل، والعلاقات الدولية، والقوة، والتمكين، والاستخلاف، ثم يربطها جميعًا داخل نسق واحد. وأرى أن هذه إحدى الإضافات التي يمكن أن تميز المشروع في ميدان التأصيل القرآني للعلوم الاجتماعية والإنسانية.

Comments (0)
Add Comment