محطات دبلوماسية … للسفير أحمد عبدالوهاب بقلم/ بابكر عيسى أحمد

محطات دبلوماسية … للسفير أحمد عبدالوهاب

الأحد ، 18 اغسطس 2024
بقلم/ بابكر عيسى أحمد

فرغت للتو من قراءة كتاب “محطات دبلوماسية” للسفير الراحل أحمد عبدالوهاب جبارة الله (1947 – 2019) والذي يقع في 418 صفحة من الحجم المتوسط والذي يعتبر بكل المقاييس عصارة تجربة من الوعي والمعاناة والمعايشة بين عالمين من الدهشة والإنبهار ومن الواقعية والتطلع إلى عالم يسكنه السلام وتظله المحبة … ويعكس تجارب إنسانية راقية السمو وعشق للمهنة الدبلوماسية، حيث يتناول جبارة الله حيثيات الواقع المعاش بمنتهى الصدق والأمانة والنزاهة.
عتبت على نفسي كثيراً أن هذا الكتاب الذي أهداني إياه المؤلف -طيب الله ثراه- في الخرطوم في الخامس من مارس عام 2014 ظل قابعاً في مكتبتي لمدة تزيد عن 10 أعوام دون أن تطاله يدي أو تعانق عيوني حروفه الزاهية التي تقطر صدقاً وأمانه وتجرد ويقول “إنها أحداث ومواقف عاشها في الخدمة الدبلوماسية وفي خدمة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة … وهي مواقف ومشاهد تشكل صوراً منتقاه من واشنطن وجنيف والعراق وافغانستان وشرق أفريقيا وجنوبها وغيرها من المواقع”.
يتميز هذا الكتاب أنه لا يتخذ منهجاً تقليدياً في كتابة السيرة الذاتية ولكنه ينتهج اسلوب الوقوف عند أحداث ومواقف وقضايا وشخصيات أتاحت ظروف عمله أن يكون جزءاً منها وهو يعرضها في صورة ممتعة وتحليلية تقرب أبعادها ومضامينها للقارئ مهما تنوعت اهتماماته وخلفيته.
المثير للأسى أن المؤلف الذي رحل إلى الرفيق الأعلى في مدينة بيرث باستراليا عام 2019 بعيداً عن وطنه الذي أحبه وتعلق به ومنحه عصارة شبابه … رحل عنا ونحن أحوج ما نكون في حاجة إليه في هذه المنعطفات العاصفة التي تمر بها بلادنا.
من اللافت للنظر أن المؤلف يجسد في هذا الكتاب الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع العام 2014 بالقاهرة حقيقة أن العمل الدبلوماسي هو بالضرورة أداة مؤثرة في تفاعل الحضارة الإنسانية من منطلق التنوع والإنفتاح سواء كان صاحب المهنة الدبلوماسية في خدمة دولتة أو كان في خدمة المجتمع الدولي موظفاً في منظومة الأمم المتحدة … وببراعة أهل المهنة الدبلوماسية يبرهن المؤلف فيما يتناوله تداخل المفاهيم والقضايا بشكل يفوق ما نتصوره في معظم الأحيان … وفي كل الأحوال فقد حرص الراحل المقيم السفير أحمد عبدالوهاب جبارة الله على تأكيد أهمية أن يعمل الممارسون لمهام دولية على أن يفتحوا قلوبهم وعقولهم للآخرين بقدر ما تسمح الظروف ليتعرفوا على جوانب متنوعة لمواقف وقضايا هي بالضرورة ملك للجميع.
يقول المؤلف “أن هذا الكتاب يحمل بين دفتيه حصيلة تجارب ومواقف ومشاهد عشتها وأنا أتنقل بين أرجاء العالم سواء كان ذلك في المهنة الدبلوماسية في وزارة الخارجية السودانية أو كان ذلك خلال انتدابي للعمل بالأمم المتحدة … وقد امتدت فترة معايشتي لتلك المشاهد والمواقف لما يقارب الأربعين عاماً في أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا … وهي رحلة لم اكن أمارس فيها مهنتي ولكنني أيضاً كنت أجد فيها انسانيتي”.
في سبعينيات القرن الماضي كتبت مقالة بصحيفة “الأيام السودانية” تحت عنوان “أنت يا من رأى” ناشدت فيها أصدقائي من الدبلوماسيين أن يسجلوا لنا وللأجيال القادمة عصارة تجاربهم في العواصم التي عملوا بها وأن يعكسوا لنا التلاقح بين الحضارات والثقافات فهي عملية انسانية تستند إلى اتساع الأفاق الفكرية لتصنع بشراً ينبذون الإنكفاء والتقوقع ويعيشون في رحاب الإنفتاح والتفاعل.
في عام 2006 اتاح لي السفير الراحل والصديق الوفي أحمد عبدالوهاب جبارة الله وكان وقتها ممثلاً إقليمياً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بدول مجلس التعاون الخليجي الفرصة لإجراء حوار مطول نشر في صفحة كاملة بجريدة “الراية” مع السيد انطونيو غوتيريس المفوض السامي لشؤون اللاجئين الذي تولى وما زال منصب الأمين العام للأمم المتحدة حيث أكد في ذلك الحوار الذي نشر يوم الأحد بتاريخ 29 اكتوبر2006 أهمية دور الإعلام المسؤول في لعب دور هام في تحقيق التعايش بين الثقافات والأديان والعقائد.
وعبر “الراية” بعث قوتيريس برسالة لكل قراء العربية بقوله أن رسالته هي إحلال السلام لأنه مسؤولية جماعية على عاتقنا كلنا، كما شدد على الحرص على التعايش بإعتباره صمام الأمان رغم اختلافنا في الدين واللغة والثقافة والتراث وأكد على أهمية التضامن مع الذين تضرروا من جراء الصراعات ومن جراء الإضطهاد وناشد الأمة العربية أن تظل ملتزمة بتراثها وتعاليمها العظيمة والقيم الإنسانية النبيلة النابعة من الإسلام والتقاليد العربية الأصيلة.
رحل عنا السفير الرائع والصديق الخلوق والأب الفاضل إلى دنيا آخرى تاركاً لنا إرثاً طيباً تمثل في هذا الإصدار القيم “محطات دبلوماسية” … ونجدد التعازي لرفقاء رحلة العمر، زوجته الرائعة صليحه الكردي وأبنائه عبدالوهاب ونزار وخالد وياسر … نقول لهم “كم كنا نحتاج أباكم في هذه المنعطفات الحادة التي تمر بها بلادنا حيث الحرب العبثية المستعرة ونسأل الله أن ترفعوا الراية من بعده وأن تعلوا ذكره” … لك الرحمة والمغفرة يا صديقي أحمد عبدالوهاب.

من الارشيف :

حديث سابق مع السفير احمد عبد الوهاب جبارة الله على فضائية S24

اضغط هنا

Comments (0)
Add Comment