مباشر | ناجي أحمد البشير يكتب ……. سودانيون في المحروسة

مباشر
سودانيون في المحروسة

بقلم: ناجي أحمد البشير

العلاقات بين الشعبين السوداني والمصري علاقات متجذرة منذ آلاف السنين، ضاربة في عمق التاريخ البشري الذي شكل الحضارة بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ. هي حضارة قامت في منطقة النوبة وتوسعت شمالاً وجنوباً، ثم جاء ترسيم الحدود لاحقاً ليفصل بينهما خط وهمي رسمه المستعمر منذ وقت قريب.

لقد امتدت تلك الشعوب بين جزيرتي “توتي” جنوباً في قلب الخرطوم، وجزيرة “الوراق” شمالاً؛ فاحتضنت كل الواردين من الشمال والجنوب في تجانس وتآلف وتلاقح، وشكلت قومية عصية على التفكك، رغم وفود قوميات أخرى من إفريقيا وجزيرة العرب وصحاري القارة وجنوب أوروبا.

أما العلاقات السودانية المصرية -بمسميات الأقطار التي تشكلت في الألفية السابقة- فقد تميزت بعنفوانها وصمودها ضد كل حملات التفكيك والتجاذب بين الأطراف الدخيلة على الأصل. وظلت -بحكمة القادة وإرادة الشعوب- تحكي عظمة حضارة وضعت أسس الزراعة وشكلت مبادئ الهندسة والطب وغيرها من العلوم التي تقوم عليها حياة الناس اليوم.

ظاهرة جلد الذات وتضخيم الأخطاء
لقد جُبل الشعب السوداني على “جلد الذات” واستنكار المشين المخالف للعادة والدين، ولفظ كل ما يخالف الموروث في صراع كسر العظم. ومع تطور الإعلام وسرعة انتشاره، أصبحت تلك الأصوات ذات صدى واسع يضر كثيراً بسمعة الشعوب، على الرغم من أن تلك الظواهر السالبة محدودة للغاية، ولا تعكس خللاً بنيوياً في البلدين الأكثر التزاماً بالدين (إسلامياً ومسيحياً).

فالمظهر العام يؤكد أنه إن جازت المقارنة، فإن النسبة لا تتجاوز “الواحد في الألف” حقيقةً، ولكن الإعلام يضخم الصورة بشكل كبير “لشيء في نفس يعقوب”.

دور السفارات وحدود مسؤوليتها
إن السفارات في الخارج أُنشئت لرعاية مصالح البلدين سياسياً واقتصادياً، ورعاية المقيمين المستضافين لأسباب مختلفة. وفي أغلب الأحيان، لا يتجاوز عدد العاملين بها مائة شخص، يعمل معظمهم في القسم القنصلي لخدمة الرعايا الموجودين بأعداد كبيرة (طلاب أو عاملين) وتسهيل الجوازات والأوراق الثبوتية.

أما السلوك الشخصي للمقيم، فهو خاضع تماماً لقوانين البلد المضيف. ودور السفارة عادةً لا يسمح لها بالتدخل المباشر إلا عبر قيادة الوزارة المختصة وبإذن منها، وهو أمر معلوم ومعمول به في كل دول العالم. لذا، فإن مناجاة السفارة يومياً عبر “الميديا” للتدخل في كل الحالات التي تخالف القانون هو أمر يستحيل الوفاء به.

علماً بأن الدولة تخطر السفارات رسمياً بالحالات التي تتطلب تدخلاً لعمل الإجراءات اللازمة، وهو ما تقوم به السفارات بهمة عالية وفي زمن قياسي؛ بل إنها هي من تبادر وتوكل بعض موظفيها -بعد طلب الإذن من السلطات- لزيارة المخافر ومقار الحجز لمتابعة قضايا المخالفين. ويجب التنويه إلى أن السفارات لا تملك ميزانية لحل المشاكل المالية، ولا حق لها في التدخل في القضايا السلوكية، فهو شأن يخص المضيف ويُطبق فيه القانون السائد.

الإعلام وشكر الواجب
إن الدور السالب الذي قام به الإعلام السوداني عامة عبر المنصات -من تشهير ببعض الحالات الفردية- قد انعكس سلباً على السوداني الذي يحظى بكل الترحيب والمحبة من شقيقه المصري. نحن نؤكد أن هذه الحالات لا تمثل نسبة تُذكر مقابل الملايين المقيمين في مصر قبل وبعد الحرب.

في المسكن والشارع والمقاهي والمترو، لا نسمع من أشقائنا المصريين إلا حلو الحديث و”طراوة اللسان” (التي قد لا نجيدها نحن). نعم، هناك حالات قد تستفز مشاعرنا، لكنها لا ترقى إلى هذا التضخيم وجلد الذات. فشقيقة السودان، مصر (الرسمية والشعبية)، تعرف السودانيين وتحسن التعامل معهم كإخوة أشقاء، وهذا ليس بجديد؛ فبينهم عشرات -وربما مئات- الآلاف يعيشون في مدنها المختلفة منذ عقود بلا قيود أو تعقيدات.

وما شهدناه بعد هذه الحرب يؤكد مكانتنا الخاصة في نفوسهم؛ فقد وجد شبابنا فرص العمل بلا تعقيدات، ووجد أصحاب الأموال المجال لفتح المحال التجارية.

خلاصة القول: إن هناك من يعبث بهذه العلاقات بنشر ما لا يصح عن دور مصر في استضافة السودانيين كضيوف (وليس كلاجئين).

إن ما تقوم به مصر من “حصر” عبر استخراج الإقامات هو أمر تُشكر عليه، وهو لصالح المقيم قبل الدولة، فمن حقها تماماً أن تعرف من يقيم على أرضها لصالح أمنها العام والاقتصادي. هكذا تحافظ الدول على هيبتها، وما يحدث في بلادنا من حدود مفتوحة وفوضى لا يجب أن نفرضه على الآخرين؛ فهم “الصحيح” ونحن “الخطأ”.

شكراً مصر.

#أمن_مصر_أولاً_وأخيراً_أمان_للسودان
#جيش_واحد_شعب_واحد

Comments (0)
Add Comment