2- التكنولوجيا والبيانات والابتكار
يتسارع التغير التكنولوجي بوتيرة لافتة، إذ يرى 69% من كبار الاقتصاديين أن مستوى الاضطراب في هذا المجال مرتفع أو مرتفع جدًا. ويواصل الذكاء الاصطناعي التوليدي لعب دور محوري، حيث يتوقع أكثر من ثلثي المشاركين في استطلاع منتدى الاقتصاد العالمي سبتمبر – 2025 أن يُحدث اضطرابًا تجاريًّا خلال عام 2026، ما يضيف طبقة جديدة من اللايقين الاقتصادي في الأسواق العالمية.
وقد أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل أساليب البحث والتطوير، وزاد المنافسة على المواهب، مع إطلاق موجة استثمارية كبيرة: حيث ظهرت أكثر من 100 شركة يونيكورن -هي شركات ناشئة خاصة، تركز على القطاعات التكنولوجية- خلال العامين الماضيين، ليصل الإجمالي العالمي إلى نحو 500 شركة. ويُعتبر بروز الذكاء الاصطناعي كـمنهج عام للابتكار تحولًا هيكليًّا يعمق التعقيد في النظام الاقتصادي.
ويتوقع 75% من المشاركين أن يكون الاضطراب طويل الأمد، فيما يرى أكثر من 90% أنه سيؤدي إلى آثار متسلسلة في مجالات أخرى، تشمل ارتفاع الطلب على الطاقة من مراكز البيانات، وتسارع التقدم في الطاقة المتجددة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية حول السلع التكنولوجية المتقدمة مثل أشباه الموصلات، ما يضيف مزيدًا من التحديات واللايقين في التخطيط الاقتصادي والاستثماري العالمي.
3- الموارد الطبيعية والطاقة والبيئة
يرى 61% من كبار الاقتصاديين أن مستوى الاضطراب في الموارد الطبيعية والطاقة والبيئة مرتفع أو مرتفع جدًا، وسط مخاوف حادة من اختناقات الإمداد، لا سيما فيما يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى الضرورية للتحول إلى الطاقة النظيفة، حيث يتركز الإنتاج بشكل كبير. ورغم انخفاض أسعار النفط نسبيًّا بعد التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران في يونيو 2025، فإن فرض عقوبات إضافية على روسيا وإيران قد يخلّ بتوازن العرض والطلب مستقبلاً، ما يزيد من اللايقين في أسواق الطاقة العالمية.
كما أبرزت الظواهر المناخية المتطرفة التكاليف الاقتصادية الكبيرة لتغير المناخ. وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الطقس المتطرف تسبب بخسائر سنوية في الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت 0.3% خلال الفترة 2006–2018، مع توقع ارتفاع هذه النسبة في المستقبل.
ويتوقع 78% من كبار الاقتصاديين أن يستمر الاضطراب في هذا القطاع على المدى الطويل، مع توقع آثار نظامية واسعة، محذرين من أن المخاطر البيئية لا تزال مُستهانًا بها إلى حد كبير، ما يجعل هذا القطاع أحد المصادر البارزة للايقين الاقتصادي العالمي وتحديات التخطيط المستقبلي.
4- الأسواق المالية والسياسة المالية واستثمار رأس المال
وفقًا لاستطلاع منتدى الاقتصاد العالمي سبتمبر 2025 يرى كبار الاقتصاديين أن الاضطراب في الأسواق المالية والسياسة النقدية مؤقت في الغالب، إذ قيّم 45% من كبار الاقتصاديين مستوى الاضطراب بأنه مرتفع أو مرتفع جدًا، بينما توقّع 21% آثارًا طويلة الأمد فقط. فقد شهدت الأسواق تراجعًا مبكرًا هذا العام؛ نتيجة اضطرابات الرسوم الجمركية، لكنها تعافت بسرعة، فيما تعمل السياسة النقدية في بيئة أكثر تعقيدًا دون تغيير جذري في مسارها. ومع ذلك، يشير 85% من المشاركين إلى أن أي صدمة مالية قد يكون لها آثار نظامية واسعة، مع التحذير من مخاطر غير مقدَّرة، بما فيها التقاطع بين الابتكار والتمويل، وتشريعات العملات المشفرة، والمضاربات المحتملة على الأصول المدفوعة بالذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
في السياسة المالية، قيّم 45% من كبار الاقتصاديين الاضطراب بأنه مرتفع أو مرتفع جدًا، مع تراكم الدين العام العالمي الذي تجاوز 100 تريليون دولار في 2024، وتوقع زيادة في أكثر من ثلث الدول الممثلة 75% من الناتج العالمي الإجمالي خلال 2025. وتشهد الاقتصادات المتقدمة تخفيفًا للسياسات المالية، مثل؛ برنامج الإنفاق الأمريكي بعجز متوقع يتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعديل ألمانيا لدستورها للسماح بتوسع مالي كبير. ويتوقع 57% استمرار الاضطراب على المدى الطويل، مع تحذير ثلثي المشاركين من أن اختلالات الديون ستؤدي إلى آثار متسلسلة في الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع توقع 80% زيادة مواطن ضعف الديون في الاقتصادات المتقدمة خلال عام 2026.
أما اضطرابات تدفقات الاستثمار، فهي ملحوظة لكنها ليست من أكثر الاتجاهات إثارة للقلق؛ فقد قيّم 42% الاضطراب بأنه متوسط، و30% بأنه مرتفع أو مرتفع جدًا. ومع تصاعد الرسوم الجمركية ومتطلبات الاستثمار الجديدة، لجأت الشركات إلى إعادة توطين الإنتاج، ما انعكس على انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 52.8 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025، مقابل ارتفاع إعلانات المشاريع الجديدة إلى 183 مليار دولار. ويتوقع ثلاثة أرباع المشاركين استقرار هذه الاتجاهات على المدى القصير إلى المتوسط، مع آثار نظامية محدودة حاليًّا (27% يتوقعون تأثيرات متسلسلة أوسع).
5- أسواق العمل ورأس المال البشري
تظل أسواق العمل ورأس المال البشري مستقرة نسبيًّا، حيث قيّم 45% من كبار الاقتصاديين مستوى الاضطراب بأنه متوسط، و24% مرتفع و 6% مرتفع جدًا، إلا أن الآثار الكاملة للذكاء الاصطناعي لم تتجسد بعد، مع توقع 54% اضطرابًا طويل الأمد، ذلك وفقًا لاستطلاع منتدى الاقتصاد العالمي سبتمبر 2025، ما يشير إلى تحول عميق في أساليب العمل وليس مجرد تقلب مؤقت. كما تستمر التحولات الديموغرافية والتكنولوجية في إعادة تشكيل مستقبل العمل، مع توقع 57% لحدوث آثار متسلسلة إذا اشتد الاضطراب.
أدت التغيرات التكنولوجية، خاصة الذكاء الاصطناعي، إلى أتمتة بعض المهام وإعادة توجيه مسارات وظيفية، ما خلق نمط عمل أكثر مرونة، لكنه أقل استقرارًا، ويتسم بضعف قابلية التخطيط طويل الأمد. استجابت المؤسسات بإدارة صارمة أو تعزيز الأمان النفسي للموظفين، إذ يقلل شعورهم بالقيمة والانتماء من أثر اللايقين، ويعزز الابتكار والمشاركة، بينما تساعد المهارات الإنسانية مثل: (حل المشكلات والتفكير النقدي والتواصل) على التكيف وإدارة حالة اللايقين بفعالية.
كما أثر اللايقين في أنماط التوظيف، فنتيجة انخفاض الطلب على العمالة، دفع ذلك الشركات لتفضيل التعاقدات المؤقتة أو المرنة. كما يعزز التحول الرقمي والتغيرات الديموغرافية الإنتاجية في بعض الوظائف، بينما يهدد الوظائف الروتينية والإدارية، ما يزيد غموض سوق العمل، ويجعل التخطيط المؤسسي أكثر حذرًا.
6- قرارات وسياسات الشركات
يشكّل عدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل تحديًا جوهريًا للتخطيط الاستراتيجي التقليدي، حيث يؤدي اعتماد الخطط الثابتة على افتراضات مستقرة إلى فشلها عند حدوث تغييرات غير متوقعة. لذلك، تبنت شركات مثل Shell منهج التخطيط بالسيناريوهات، الذي يقوم على وضع بدائل “ماذا لو” واستراتيجيات متعددة لمواجهة سيناريوهات متفائلة وأخرى متشائمة، مع متابعة مؤشرات تساعد على تحديد السيناريو الأكثر احتمالًا مع مرور الوقت. ويبرز هذا النهج أهمية المرونة وتعدد الخيارات الاستراتيجية مقارنة بالتخطيط التقليدي ذي الرؤية الواحدة للمستقبل.
ويظهر تأثير اللايقين على الشركات بوضوح في صعوبة اتخاذ القرارات الاستراتيجية، إذ يصبح تحديد اتجاهات الاستثمار أو التوسع أصعب، ويزداد الاعتماد على التكيّف السريع بدل الالتزام بخطط ثابتة. كما تواجه الشركات في بيئات غير مستقرة مخاطر أكبر في التمويل وسلاسل التوريد والتوسع، ما يجعل اللايقين الاقتصادي عامل ضغط رئيسًا يدفع الشركات إلى اعتماد سياسات أكثر حذرًا وأساليب مرنة وإجراءات سريعة لتقليل المخاطر المرتبطة بالقرارات طويلة المدى.
|