طارق علي يوسف يكتب ……. قبل إنقاذ الجنيه: أنقذوا موارد الدولة

قبل إنقاذ الجنيه: أنقذوا موارد الدولة

بقلم: طارق علي يوسف

 

بعد الاطلاع على عدد من السياسات والتوصيات الاقتصادية الجادة التي طرحها مجموعة من الاقتصاديين السودانيين المخضرمين لإنقاذ الاقتصاد السوداني ووقف التدهور المتسارع للجنيه، سواء في جانب السياسات النقدية أو المالية، لفت انتباهي غياب التركيز الكافي على أحد أهم جوانب الأزمة؛ وهو الترشيد الصارم للإنفاق الحكومي، خصوصاً الإنفاق الذي لا يضيف قيمة مباشرة للاقتصاد أو للمواطن السوداني.

في تقديري، فإن أساس معالجة الأزمة الاقتصادية في السودان -وتحديداً في ظل ظروف الحرب واقتصاد الحرب- يجب أن يبدأ من الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة، وعلى رأسها النقد الأجنبي.

1. ترشيد الإنفاق الحكومي كأولوية قصوى
ففي الوقت الذي تدهورت فيه قيمة الجنيه السوداني بصورة حادة، وفقد الاقتصاد السوداني نسبة كبيرة من ناتجه المحلي الإجمالي، لا يزال من الضروري إعادة النظر بصورة جذرية في أنماط الإنفاق الحكومي، خصوصاً في المجالات التي لا تمثل أولوية في هذه المرحلة.
مواكب المسؤولين: الحد من التكاليف المصاحبة للمواكب الكبيرة والتنقلات غير الضرورية.
السفر الخارجي: ترشيد السفر للمشاركة في مؤتمرات واجتماعات غير ذات أولوية ملحة.
البعثات الدبلوماسية: تقييم استمرار بعض البعثات في عواصم لا تمثل أولوية استراتيجية أو اقتصادية للسودان في ظل الظروف الراهنة.
مقترح عملي: أن تقوم الجهات الحكومية المختصة بمراجعة شاملة لأداء البعثات السودانية في الخارج، ليس فقط من منظور دبلوماسي، وإنما أيضاً من منظور العائد الاقتصادي والاستراتيجي: ماذا تضيف هذه البعثات للسودان؟ وما الذي يمكن إعادة توجيهه من الموارد المخصصة لها إلى أولويات أكثر إلحاحاً؟
فكل مورد يتم توفيره من الإنفاق غير الضروري يمكن أن يمثل مورداً إضافياً لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم الإنتاج المحلي، وتمكين الشباب والنساء، خصوصاً أنهم يمثلون شريحة كبيرة وحيوية من المجتمع السوداني.

2. سياسة إحلال الواردات ضمن استراتيجية إنتاجية متكاملة
إن اتخاذ إجراءات للحد من استيراد بعض السلع يمكن أن يكون خطوة في الاتجاه الصحيح من منظور الحفاظ على النقد الأجنبي، لكن نجاح هذه السياسة يتوقف كلياً على قدرة الاقتصاد المحلي على توفير البديل.
توفير البازلات التشغيلية: كالأجيال الجديدة من الطاقة والكهرباء وتسهيل التمويل.
حوافز الإنتاج: تقديم حوافز حقيقية للمشروعات الصناعية والزراعية ودعم رواد الأعمال.
التخطيط السليم: وضع خطة صناعية واضحة المعالم لتنفيذ سياسة إحلال الواردات (Import Substitution) بكفاءة.
قاعدة أساسية: لا يمكن أن نطلب من المواطن أو السوق الاستغناء عن المنتجات المستوردة من دون أن نوفر له بديلاً محلياً قادراً على المنافسة من حيث السعر، والجودة، والاستمرارية.
3. أين البحث العلمي والابتكار في أولوياتنا الاقتصادية؟
وهنا أطرح سؤالاً جوهرياً على المسؤولين عن الاقتصاد السوداني:
كم تبلغ نسبة الموازنة العامة المخصصة للبحث العلمي والتطوير والابتكار (Research & Development)؟
الاقتصاد الحديث لا يُبنى فقط من خلال السياسات النقدية والمالية، وإنما يُبنى أيضاً من خلال:
المعرفة والابتكار والتكنولوجيا.
القدرة على تحويل الموارد والأفكار إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
العالم يتحرك بوتيرة متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والتكنولوجيا الزراعية، والتصنيع المتقدم، والطاقة، والخدمات الرقمية. وإذا ظل السودان بعيداً عن هذه التحولات، فإن الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية ستتسع بصورة أكبر.
يمتلك السودان موارد طبيعية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وثروة حيوانية، وموقعاً جغرافياً مهماً، وقبل كل ذلك يمتلك رأس مال بشرياً قادراً على الإبداع والابتكار؛ وما نحتاجه حقاً هو بيئة تحوّل هذه الإمكانات إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.

خلاصة القول
إنقاذ الاقتصاد السوداني لن يأتي من إجراء أحادي، بل نحتاج إلى مزيج متكامل يتضمن:
الانضباط المالي وإدارة أفضل للنقد الأجنبي.
ترشيد الإنفاق الحكومي وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج.
تبني سياسة صناعية واضحة وتمويل فعال للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
الاستثمار الحقيقي في الشباب والنساء.
بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
السودان لا يفتقر إلى الموارد، وما نحتاجه حقاً هو أن نستخدم مواردنا المحدودة بكفاءة أكبر، وأن نضع الأولويات الصحيحة، وأن نبدأ اليوم في بناء اقتصاد قادر على الصمود والنمو بعد الحرب.
أنقذوا اقتصاد السودان، قبل أن تصبح تكلفة الإنقاذ أكبر من قدرتنا على تحمّلها.

طارق علي يوسف اقتصادي سوداني بالقاهرة

26 سبتمبر 2026

Comments (0)
Add Comment