من عمق المشهد
د. ست البنات حسن أحمد
صناع الوعي: دور الإعلامي في ترسيخ الدراية الإعلامية ورسالته للأجيال القادمة
إن الوقوف على ثغور الممارسة الاعلامية والمعايشة الميدانية اليومية للصحفي تضعه في قلب المعركة الحقيقية لحماية الوعي المجتمعي؛ فالمشهد الإعلامي المعاصر لم يعد يعاني فقط من نقص المعلومات، بل يعاني من “التخمة المعلوماتية” وغياب الفرز، مما يجعل تحويل “الدراية الإعلامية” (Media Literacy) من مفهوم نظري نخبوي إلى ممارسة يومية أمراً مصيرياً.(
يبقى السؤال هنا: ما هو دور الإعلامي في نشر ثقافة التحقق وترسيخ الدراية الإعلامية، وما هي الرسالة الخالدة التي يتركها للأجيال القادمة؟
أولاً: دور الإعلامي في نشر ثقافة التحقق وتحويل الدراية الإعلامية إلى ممارسة يومية
لا يمكن للإعلامي أن يكتفي بدور “الناقل” للخبر، بل يجب أن يتحول إلى “موجه مجتمعي” و”مدرب ميداني” للوعي. ويتحقق ذلك عبر:
مأسسة الشفافية وكشف الصنعة الإعلامية:
يقع على عاتق الإعلامي أن يُطلع جمهوره على “كواليس” صناعة الخبر.فهو عندما يوضح كيف يتم التحقق من الصور المفبركة، وكيف تُقاس موثوقية المصادر، فإنه يحول المُتلقي السلبي إلى مُشاهد ناقد يمتلك أدوات الفحص الذاتي قبل تصديق أو إعادة نشر أي مادة.
.تبسيط أدوات التحقق الرقمي: تحويل تقنيات التحقق المعقدة (مثل البحث العكسي عن الصور، والتأكد من التواريخ والسياقات، وفحص البيانات الوصفية للفيديوهات) إلى مهارات سهلة ومتاحة لكل مواطن عبر فقرات إعلامية مبسطة، أو محتوى رقمي تفاعلي وقصير يخاطب مختلف الفئات.
محاربة ثقافة “السبق على حساب الحقيقة“: التصدّي لثقافة التسرع والتنافس المحموم على “الترند” بنشر الشائعات. إن التزام الإعلامي بالتروي والتحقق يرسخ رسالة ضمنية للمجتمع مفادها أن “السلامة المعرفية تسبق السرعة الخبرية“.
.صياغة “صحافة الحلول” والعمق التحليلي: الانتقال من نقل المشكلات والأزمات المجردة إلى تفكيكها وتقديم سياقاتها الكاملة، مما يساعد الجمهور على فهم الجذور الحقيقية للأحداث وعدم الوقوع في فخ التضليل الممنهج أو الاستقطاب العاطفي.
ثانياً: الرسالة التي يتركها الإعلامي للأجيال القادمة
إن إرث الإعلامي الحقيقي لا يُقاس بحجم الأرشيف الذي يتركه، بل بمدى صلابة الوعي الذي يسهم في بنائه لدى الأجيال القادمة. وتتلخص رسالته في المرتكزات الآتية:
أمانة الكلمة وعدالة الحقيقة: “الكلمة أمانة عظمى، والحقيقة وجه من وجوه العدالة؛ فلا تفرطوا في وعيكم، ولا تهبوا عقولكم لمن يسعى لتشكيلها بالزيف أو التوجيه المُمَفْرَض.”
الوعي درع الأوطان: أن يترك للأجيال إرثاً يؤكد أن استقلال الأمم وحماية هويتها يبدأ أولاً من استقلال عقول أبنائها وقدرتهم على تمييز الغثّ من السمين، فالتضليل الإعلامي هو السلاح الأحدث لهدم المجتمعات من الداخل.
أخلاقيات المهنة فوق التقنية: تذكير الأجيال القادمة ـ في عصر الذكاء الاصطناعي والثورات الرقمية المتسارعة ـ أن الأدوات والتقنيات تتغير وتتطور، لكن القيم الإنسانية، والأمانة المهنية، واحترام الحقيقة تظل هي المعيار الأبدي لشرعية أي خطاب إعلامي.
المواطنة الرقمية المسؤولة: غرس مبدأ أن كل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي هو “إعلامي” بطريقة أو بأخرى، وأن زر “النشر” أو “المشاركة” ليس مجرد نقرة عابرة، بل هو موقف أخلاقي ومسؤولية قانونية واجتماعية تجاه سلامة المجتمع
في نهاية المطاف، يبقى الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول عن أمن الأمم واستقرارها. وإن المسؤولية الملقاة على عاتق الصحفي اليوم تتجاوز حدود النقل المهني للأحداث لتلامس تخوم الرسالة الوطنية والإنسانية النبيلة. وحين تتضافر مأسسة الشفافية مع ترسيخ ثقافة التحقق، وحين تتقاطع دقة الصنعة الإعلامية مع يقظة الضمير الحي، نصنع معاً جدار الحماية الأبدي لعقول أجيالنا القادمة، لتبقى الحقيقة دائماً هي البوصلة والغاية …نواصل