شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
سياحة الصمود: دروس العالم ومعركة البقاء السودانية
في السابع عشر من فبراير، يحيي العالم “اليوم العالمي للسياحة القادرة على الصمود”، وهو موعد لم يعد مجرد احتفالية بروتوكولية، بل صار ضرورة ملحة في كوكب تتقاذفه الأزمات. وبينما تتحدث التقارير الدولية عن تعافي القطاع العالمي من جائحة كورونا بنسبة 90%، يجد السودان نفسه أمام اختبار “الصمود” في أقصى تجلياته؛ حيث لا تواجه السياحة السودانية فيروساً عابراً، بل تواجه حرباً تضرب في عمق البنية التحتية والهوية الثقافية.
يعكس مفهوم “السياحة القادرة على الصمود” قدرة القطاع على التكيف وإعادة تشكيل مساراته. فالسياحة ليست مجرد “فنادق ومنتجعات”، بل هي ركيزة اقتصادية أسهمت عالمياً بنحو $3.5$ تريليون دولار قبل الجائحة. هذا القطاع الذي أثبت مرونة مذهلة في الشرق الأوسط (بتجاوز مستويات 2019 بنسبة 20%)، يخبرنا أن السياحة تمتلك غريزة بقاء قوية إذا ما توفرت لها استراتيجيات التنويع والتعاون.
بالنسبة للسودان، فإن الصمود السياحي اليوم لا يُقاس بعدد الأفواج الأجنبية، بل بالقدرة على حماية الذاكرة الوطنية. إن الصمود هنا يتجسد في الحفاظ على المواقع الأثرية في مروي وجبل البركل، والدفوفة وحماية المقتنيات المتحفية من النهب، وبذل الجهد لاستعادة المنهوب منها، وضمان استمرار الوعي بقيمة هذا الإرث كعامل توحيد وطني في مرحلة ما بعد الحرب.
تضع الأمم المتحدة عام 2027 “سنة دولية للسياحة المستدامة والقادرة على الصمود”. وفي حين يركز العالم على التوازن بين البيئة والتنمية، يبرز التحدي السوداني في كيفية تحويل “السياحة المستدامة” إلى أداة لإعادة الإعمار، ففي مجال السياحة البيئية، يمتلك السودان تنوعاً بيولوجياً فريداً في محمية “الدندر” وسواحل البحر الأحمر. الصمود هنا يعني حماية هذه الموارد من التدهور الناتج عن النزاع، لتكون هي نقطة الانطلاق في “الاقتصاد الأخضر” المستقبلي. والدور الاجتماعي فالسياحة المستدامة هي المحرك لتمكين النساء والشباب. وفي ظل النزوح الحالي، يمكن للحرف اليدوية المرتبطة بالسياحة والتراث أن تشكل سبيلاً لسبل العيش الكريم للأسر المتضررة، مما يعزز مرونة المجتمع المحلي.
إن الأرقام التي أوردتها منظمة السياحة العالمية، والتي تظهر تعافي إفريقيا بنسبة 92%، تبعث بالأمل. فالسودان، بموقعه الاستراتيجي وإرثه الحضاري، يمتلك كافة المقومات ليكون جزءاً من هذا الطفرة القادمة.
إن “الصمود” في السياحة السودانية اليوم يعني التخطيط من الآن لما بعد الحرب ترميم ما دمرته الآلة العسكرية برؤية عالمية، والاستثمار في “سياحة السلام” كرسالة للعالم بأن النيل الذي شهد قيام الحضارات، قادر على احتضانها من جديد، بالاضافة الى رقمنة الآثار والتراث السوداني لضمان بقائهم عابراً للحدود، وهنا اشيد بدور مؤسسة السياحة الرسمية في الولاية الشمالية والتي بادرت في حصر ورقمنة تراث الولاية.
ختاماً، إن الاحتفاء باليوم العالمي للسياحة القادرة على الصمود هو دعوة للسودانيين قبل غيرهم؛ للإيمان بأن قطاع السياحة ليس “رفاهية مؤجلة”، بل هو جسر العبور نحو استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام، يحمي مواردنا للأجيال القادمة ويضع السودان مجدداً على خارطة الوجهات العالمية الأكثر إلهاماً.