صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… الخرطوم والحل الترددي: قاطرة الإنقاذ من الشلل المروري

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

الخرطوم والحل الترددي: قاطرة الإنقاذ من الشلل المروري

تستيقظ العاصمة السودانية كل صباح على كابوس متجدد؛ شوارع مختنقة، ومواطنون يقضون ثلث يومهم في انتظار وسيلة نقل قد لا تأتي، أو في صراع داخل “حافلات” متهالكة لا تليق بكرامة الإنسان ولا بمتطلبات العصر. إن أزمة المواصلات في الخرطوم لم تعد مجرد “زحام”، بل باتت عائقاً اقتصادياً يستنزف الإنتاجية، وعبئاً نفسياً ينهك قوى المجتمع. وهنا، يبرز نظام النقل الترددي (Bus Rapid Transit – BRT) ليس كخيار ترفيهي، بل كضرورة قصوى وحتمية للتخطيط الحضري.

لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، فالتجارب الإقليمية الناجحة تضع أمامنا خارطة طريق واضحة فالتجربة المصرية (الأتوبيس الترددي الذكي)، حيث نجحت مصر مؤخراً في توظيف الأتوبيس الترددي على الطريق الدائري كبديل عصري للميكروباصات العشوائية. هذا النظام يعتمد على مسارات معزولة ومحطات ذكية، مما يضمن سرعة الحركة وفصل حركة النقل العام عن السيارات الخاصة، وهو بالضبط ما تحتاجه شوارع مثل “شارع النيل” أو “طريق المطار” في الخرطوم، الى جانب تجربة المشاعر المقدسة، في السعودية، يُعد النقل الترددي العمود الفقري لنجاح إدارة الحشود في أضيق النطاقات الجغرافية وأكثرها تعقيداً. هذه التجربة تثبت أن الانضباط في المواعيد والمسارات المحددة يمكنه تحريك الملايين في ساعات معدودة، فكيف بعاصمة يبلغ سكانها بضعة ملايين؟.

لماذا النقل الترددي في الخرطوم الآن؟، تطبيق هذا النظام في الخرطوم يحقق ثلاثة أهداف استراتيجية لا يمكن تأجيلها، كفاءة الوقت والتكلفة، فالمسارات المعزولة تعني أن الحافلة لن تتوقف في “عنق زجاجة” مروري، مما يقلل زمن الرحلة بنسبة معقولة، مع اتاحة فرص التنظيم بدلاً من العشوائية، باستبدال مئات الحافلات الصغيرة (الهايس والكوستر) بحافلات كبيرة السعة (Articulated Buses) يقلل عدد المركبات في الشارع ويزيد من سعة نقل الركاب، بجانب تبيان الوجه الحضاري والبيئي. فتشغيل حافلات حديثة (ربما كهربائية أو تعمل بالغاز الطبيعي) يقلل من الانبعاثات الكربونية ويمنح العاصمة مظهراً لائقاً يعيد لها ألقها.

بالطبع، التطبيق يتطلب إرادة سياسية وتخطيطاً هندسياً جريئاً. يجب البدء بـ محاور استراتيجية (مثل خط الخرطوم-بحري، والخرطوم-أمدرمان) عبر جسور مخصصة أو مسارات محددة لا تقبل الاختراق. كما يتطلب الأمر دمج القطاع الخاص وأصحاب الحافلات الحاليين في شركات مساهمة تدير هذا المرفق، لضمان عدم تضرر أرزاقهم وتحويلهم من “عشوائيين” إلى “شركاء في التنمية”.

إن الاستمرار في سياسة “الترقيع” لقطاع المواصلات في الخرطوم هو هدر للموارد. النقل الترددي هو الحل الذي يربط أطراف العاصمة، ويعيد للمواطن زمنه المفقود، ويضع السودان على طريق الحداثة الذي سلكه جيرانه بنجاح.

مصدر المقال

النيل الدولية العدد 1693

Comments (0)
Add Comment