شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
بين “إدارة الوقت” وواقع الحرب: هل نملك ترف التكرار؟
في الوقت الذي يمر فيه الإنسان السوداني بأعقد أزمة وجودية في تاريخه الحديث، وبينما تزدحم القاهرة بمئات الآلاف من الوافدين الذين يحملون في حقائبهم ندوب النزوح وأسئلة المستقبل المعلق، تطالعنا “أمانة التدريب والتأهيل” بالجالية السودانية بإعلان عن ورشة تدريبية بعنوان “إدارة الوقت والاجتماعات”.
للوهلة الأولى، قد يبدو العنوان منضبطاً ومؤسسياً، لكن القراءة العميقة لما تحتاجه الجالية اليوم تكشف عن فجوة هائلة بين “أجندة القاعات” و “أوجاع الشارع”.
إن استضافة قامات أكاديمية رفيعة مثل البروفيسور إبراهيم محمد آدم وزملائه في موضوع “إدارة الوقت” يشبه استخدام “مشرط جراح” لتقشير ثمرة فاكهة. نحن لا نبخس أهمية المهارات الإدارية، لكننا نتساءل: هل مشكلة الجالية السودانية في مصر اليوم هي عدم معرفة كيفية تنظيم الأجندة اليومية أو إدارة محضر اجتماع؟
إن “إدارة الوقت” باتت مادة مستهلكة (Cliché) في مراكز التنمية البشرية منذ تسعينيات القرن الماضي. بينما نحن الآن في عام 2026، في عصر الثورة التكنولوجية الكبرى، وفي ظل وضع استثنائي يتطلب حلولاً غير تقليدية.
كان الأجدى بهذه الكوكبة من الخبراء، ومن خلفهم أمانة التدريب، أن يوجهوا بوصلتهم نحو ملفات تلامس عصب الحياة السودانية في مصر، ومنها الدعم النفسي للاجئي الحرب، حيث يواجه السودانيون في مصر صدمات ما بعد الحرب (PTSD). أليس من الأولى تدريب الكوادر على الإرشاد النفسي الأولي وكيفية التعامل مع الأسر المكلومة؟، بالاضافة لمحور إدارة الجالية واحتياجاتها، فنحن بحاجة لورش عمل حول “إدارة الأزمات” و”اللوجستيات الإنسانية”، وكيفية تنظيم الكتلة البشرية الضخمة للاستفادة من الفرص المتاحة في بلد المقر.، ثم عوالم الذكاء الاصطناعي والتدريب التحويلي، فمئات الخريجين والمهنيين السودانيين فقدوا وظائفهم؛ لذا فإن تدريبهم على أدوات الذكاء الاصطناعي لتمكينهم من العمل “عن بُعد” (Freelancing) هو طوق النجاة الحقيقي، وليس “فنون الاجتماعات” ولا ننسى الإرشاد الأسري والقانوني، تواجه الأسر تحديات في الاندماج، التعليم، والقوانين المصرية في الإقامة والتعايش ورشة واحدة عن “الحقوق والواجبات القانونية للوافد” تعادل في قيمتها مئة ورشة عن تنظيم الوقت.
إن العمل العام ليس مجرد نشاط لـ “ملء الفراغ” أو استعراض للمسميات الأكاديمية، بل هو استجابة ذكية للواقع. الجالية السودانية بمصر تمتلك عقولاً جبارة، ومقر بيت السودان بالسيدة زينب يجب أن يتحول إلى مختبر لصناعة الحلول، لا منصة لتكرار نظريات الإدارة التقليدية التي يمكن لأي شاب أن يجدها في مقطع فيديو على “يوتيوب” مدته خمس دقائق.
نتمنى من القائمين على أمر التدريب في المرات القادمة أن “يقرأوا الواقع قبل أن يكتبوا العناوين”، فزمن الرفاهية الإدارية قد ولى، ونحن الآن في زمن “التدريب من أجل البقاء”.