شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
جالية بلا قيود: نحو عقد اجتماعي وخدمي جديد للسودانيين بمصر
الجزء الأول: أزمة التمثيليات الشكلية ومأزق الإدارة الخارجية للشأن الأهلي
يشهد الواقع المهجري للجالية السودانية في جمهورية مصر العربية الشقيقة منعطفات تاريخية بالغة الدقة والحساسية، تتطلب وقفة تأمل تحليلية عميقة ومجردة بعيدة عن العواطف الآنية والمجاملات الزائفة. إن ما شهدته الساحة مؤخراً وتحديداً في يوم الجمعة الموافق الثاني من أكتوبر لعام 2026 في “بيت السودان” بالقاهرة، من إعلان فوز المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر مقصورا على ترشيحات منتقاه من قائمة مكونة من خمسة وثلاثين شخصاً واقصاء الاخرون، يُطرح في كواليس المشهد بوصفه تمثيلاً شاملاً للوجود السوداني في مصر، يعيد إلى الواجهة أزمات هيكلية قديمة متجذرة في إدارة العمل العام والمهجري بالخارج. إن قراءة هذا المشهد بعين ناقدة ومجردة تكشف بجلاء عن وجود فجوة عميقة بين الآليات التقليدية المتبعة في صياغة المجالس وبين التطلع الحقيقي والملح لكتلة بشرية هائلة ومليونية تعيش ظروفاً استثنائية معقدة. إن ما جرى وصفه من قِبل مراقبين وفاعلين بأنه “تمثيلية بخسة الثمن” أو “انتصار وهمي” إنما يعبر عن حالة الإحباط المتراكمة جراء تكرار صيغ الإقصاء والتفصيل المسبق للمجالس بمعزل عن القواعد الحقيقية والنبض الحي للشارع السوداني في مصر. إن هذه الأساليب التي تُدار بها عمليات الاختيار والترشيح لم تعد قادرة على الاستمرار أو التستر خلف شعارات براقة، لأن كشف الأوراق وتفكيك آليات الفبركة والترتيبات الفوقية بات أمراً مكشوفاً لكل ذي بصيرة، بل وكان متوقعاً لدى الكثيرين ممن خبروا مسارات العمل العام وأمراضه المزمنة.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة مشهد الإخفاق هذا دون توجيه النقد الموضوعي والمسؤول نحو الأدوار المؤسسية الرسمية التي تُفترض فيها الحيادية ورعاية مصالح المغتربين، وفي مقدمتها “جهاز المغتربين”. لقد شكل هذا الجهاز تاريخياً – للأسف – جزءاً لا يتجزأ من صنيع الفشل الإداري المتكرر، وقف خلف العديد من اتفاقات المحاصصة التي أفضت بالضرورة إلى إجهاض تجارب الجاليات السودانية في مختلف أصقاع الأرض وكرست لانقساماتها البنيوية. إن هذا الأداء المترهل يبعث على التفكير الجاد في حتمية إعادة النظر الجذرية في هيكلة جهاز المغتربين، والعمل الشجاع على ضمه مجدداً لولاية وزارة الخارجية السودانية كما كان عليه الحال في بداية عهده، ليكون أكثر انضباطاً ودبلوماسية وابتتعاداً عن البيروقراطية المقيتة والتدخلات غير المبررة التي تضر ولا تنفع. إن السقطات الإدارية ليست عاراً في حد ذاتها إن رافقها وعي بالخطأ، إذ ليس العيب أن تسقط مرة وتتعثر خطاك، بل العيب كل العيب أن ترتضي الجمود وتظل في مكانك ترتع في مربعات الاستسلام دون أن تفكر شجاعاً في النهوض وتصحيح المسار. من هنا، فإن ما حدث لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره نهاية المطاف أو هزيمة منجز، بل هو الشرارة الأولى وإطلاق نار رمزي ليبدأ “تحالف مستقبل الجالية” نشاطه الفعلي والميداني والواقعي وسط جماهير الجالية التي تملأ الأرض بصراً وبصيرة وتسد عين الشمس برجال أشاوس أوفياء وبرامج طموحة لا تعرف المستحيل ….. نواصل .