من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
خلق الله الكون على قانون التنوع والتعدد، وجعل من اختلاف الألسن والألوان والطبائع آية كبرى وسنة كونية كبرى تُثري الحياة وترفدها بالحيوية والجمال؛ فلا تستقيم عمارة الأرض إلا بتكامل هذا التباين الإنساني والبيئي.
غير أن الملاحظ لسلوكيات المجتمعات—حين تتآكل فيها منظومة القيم وتغيب البصيرة الأخلاقية—يجد ميلاً خطيراً إلى قلب الموازين؛ حيث يتحول الاختلاف في السحنة، أو البساطة في المظهر والملبس، أو الملامح الفطرية، إلى مادة رخيصة للهمز واللمز، ومنصة للتنمر والاستعلاء الطبقي والعرقي. والأدهى من ذلك أن هذا الانحراف اللفظي والقيمي لم يقف عند حدود الاعتداء على كرامة بني الإنسان، بل امتد ليتطاول ظلماً على عالم الحيوان والطبيعة المسخرة!
أولاً: مقاييس مقلوبة.. جناية اللسان على الفطرة والكائنات
كثيراً ما تتردد في الملاسنات اليومية ونزاعات الشارع ألفاظ نابية تجعل من أسماء مخلوقات بريئة—كـ”الكلب” أو “الحمار”—شتائم وقوالب للتحقير والإهانة. وهنا يتبدى خلل عميق وفصام قيمي في ميزان التقدير؛ فهذه الكائنات مسخرة في الكون بوظائف فطرية نَبُلت على مر التاريخ الإنساني:
* فالأول عنوان للوفاء النادر، والحراسة الصادقة، والبذل الفطري الذي عزّ نظيره في كثير من مسالك البشر.
* والثاني رمز تاريخي للصبر، والجلد، وحمل الأثقال، وخدمة الإنسان في الإنتاج والزراعة والتنقل دون كلل أو تمرد.
فشتان بين بهيمة تسير وفق فطرة ربانية مسخرة تؤدي أمانة خدمتها في نظام الكون دون اعوجاج، وبين إنسان كرّمه الخالق بنعمة العقل والإرادة، ثم اختار بملء إرادته أن ينحدر إلى درك الغدر، والخيانة، والتدليس، وأكل حقوق الناس بالباطل!
إن التنمر باستدعاء أسماء هذه المخلوقات لا يمثل إساءة لعالم الحيوان فحسب، بل هو إفلاس قيمي ولغوي فاضح؛ إذ يخلط بين طبائع الكائنات المسخرة وسلوكيات الانحراف الإرادي للإنسان.
ثانياً: التنمر على المظهر.. السقوط في اختبار التكريم الإنساني
تتفاقم خطورة هذا الداء حين يتحول إلى عدوان مباشر يستهدف جوهر كرامة الإنسان وما لا يد له فيه:
* التنمر على اللون والملامح (جناية الطعن في الصنعة الإلهية):
إن السخرية من سحنة شخص، أو عرقه، أو ملامحه الجسدية، ليست مجرد سوء أدب فردي، بل هي جرأة مستترة وطعن غير مباشر في حكمة الخالق البديع. فالألوان درجات، والملامح بصمات، ولم يختر أحد منا أصله أو لونه؛ وقيمة المرء لا تُقاس بقوالب الطين التي خُلق منها، بل بما يودعه في عقله وروحه وعمله من صلاح وعطاء.
* التنمر الطبقي والمظهري (ثقافة السطحية والاستعلاء):
في مجتمعاتنا المعاصرة—حيث طغت النزعة الاستهلاكية وتضخمت ثقافة “العلامات التجارية” والمظاهر الزائفة—يُحكم على الناس في أحيان كثيرة من خلال رداءة ثيابهم أو بساطة هيئتهم، فيُهمش الوقور لبساطة مظهره، ويُبجل الفارغ لأناقة هندامه! ونسي هؤلاء أن فقر الثياب ليس عيباً يُنقص من قدر الرجال والنساء، بل الفقر الحقيقي هو فقر المروءة، وعقم الضمير، وجدب الأخلاق.
ثالثاً: خارطة طريق لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية
إن مواجهة هذه الظواهر والسلوكيات المشوهة تتطلب شجاعة مجتمعية لإعادة ترتيب المفاهيم وفق ميزان الحق:
* تسمية الآفات بأسمائها الحقيقية دون تشويه الفطرة: إن كان لا بد من نعت السلوك القبيح وفضحه، فلنسمّ الأشياء بحقائقها: فالغادر يُنعت بالغدر، والمخادع بالاحتيال، والمستغل بالانتهازية؛ دون إقحام الفطرة الحيوانية أو البيئة في معارك السقوط الأخلاقي البشري.
* التربية على ثقافة احترام الاختلاف: ترسيخ القناعة في مناهجنا ومدارسنا وإعلامنا بأن التنوع الإنساني ثروة حضارية، وأن السخرية من الآخرين ليست دليلاً على خفة الظل أو القوة، بل هي علامة ضعف نفسي، وتدَنٍّ تربوي، وعجز عن المنافسة الشريفة في مضامير الجدارة والعمل.
* إعادة الاعتبار لرأس المال الأخلاقي: أن نجعل معيار التقدير في المؤسسات والمجالس قائماً على الأمانة، والنزاهة، والإنتاج، ونقاء السريرة؛ لا على مظاهر البهرجة وثياب الزينة التي كثيراً ما تخفي وراءها خواءً مدمراً.
كلمة أخيرة.. في الميزان
لقد توّج الخالق الإنسان بتاج التكريم، وحمّله أمانة الاستخلاف وعمارة الأرض، وجعل أصله واحداً ومصيره واحداً. ومن المعيب أن يتنازل هذا الكائن عن رشده ومكانته، لينخرط في ممارسات الهمز واللمز والاستعلاء الجاهلي الأجوف.
إن التنمر بجميع صوره—سواء أكان ازدراءً لثياب بسيطة، أم تندراً بلون وبشرة، أم تحقيراً بمخلوقات الله المسخرة—هو صورة من صور كفران النعمة وانتكاس البصيرة. وقيمة المرء لم تكن يوماً بما يرتديه من قماش، ولا بما وُلد عليه من لون ولسان؛ بل بما يحمله قلبه من رحمة، وما تبنيه يداه من خير وصلاح وإحسان في هذا الوجود.