( 1)
د. ست البنات حسن
حين تدخل مدينة دنقلا هذه الأيام، يصعب أن تخطئ ملامح التحول الذي فرضه الذهب على الحياة الاقتصادية. فحركة المركبات القادمة من مناطق التعدين، ومحال بيع مستلزمات التنقيب، وتداول الأخبار عن أسعار الذهب، كلها تؤكد أن هذا المعدن النفيس لم يعد مجرد نشاط اقتصادي محدود، بل أصبح أحد أهم المحركات التي أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي في الولاية الشمالية.
وليس من قبيل المصادفة أن تتجه حكومة الولاية أخيراً إلى افتتاح سوق متخصص للذهب بمدينة دنقلا، بالتزامن مع إعلان بنك السودان المركزي تبني سياسة شراء الذهب بأعلى الأسعار المتاحة، في محاولة لإعادة هذا المورد الاستراتيجي إلى القنوات الرسمية والحد من عمليات التهريب التي استنزفت الاقتصاد خلال السنوات الماضية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل انعكس هذا النشاط الاقتصادي الكبير على التنمية المحلية بالقدر المأمول؟ أم أن الذهب، رغم بريقه، خلق تحديات جديدة لا تقل خطورة عن فوائده؟
الولاية الشمالية ليست ولاية زراعية فحسب، بل تعد اليوم من أكثر الولايات السودانية ارتباطاً بإنتاج الذهب، وقد شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في التعدين الأهلي، حتى أصبحت مناطق واسعة من الصحراء الشمالية تستقطب آلاف المعدنين القادمين من مختلف أنحاء السودان بحثاً عن فرصة قد تغير حياتهم بين ليلة وضحاها.
ولا شك أن هذا النشاط أحدث حراكاً اقتصادياً واضحاً؛ فقد انتعشت حركة النقل والتجارة، وازداد الطلب على المعدات والوقود والمواد الغذائية والخدمات، ووجدت أعداد كبيرة من الشباب فرصة للعمل في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تعكس سوى جانب واحد من المشهد.
فالاقتصاد لا يقاس بحجم الأموال المتداولة فقط، وإنما بمدى قدرتها على خلق تنمية مستدامة، وتعزيز الإنتاج، ورفع مستوى المعيشة، وتحسين الخدمات العامة.
وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية.
فقد أدى الإقبال الكبير على التعدين الأهلي إلى انتقال أعداد من العمال من الزراعة والرعي إلى مناطق التعدين، وهي ظاهرة لا تقتصر على الولاية الشمالية وحدها، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في المناطق التي يعتمد اقتصادها تاريخياً على الزراعة على ضفاف النيل.
وعندما يصبح العائد السريع من الذهب أكثر جاذبية من العائد المتدرج من الزراعة، فإن الاقتصاد المحلي يبدأ تدريجياً في فقدان أحد أهم مقومات استقراره، لأن الزراعة ليست مجرد مصدر للدخل، بل هي أساس الأمن الغذائي، ومصدر للمواد الخام، ومحرك لعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
ومن ناحية أخرى، فإن معظم القيمة الاقتصادية للذهب لا تبقى داخل الولاية.
فالذهب الخام يغادر مناطق الإنتاج سريعاً، بينما تغادر معه نسبة كبيرة من العائدات، سواء عبر التجارة الرسمية أو عبر قنوات التهريب، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد المحلي على الاستفادة الكاملة من هذه الثروة.
ولهذا جاء افتتاح سوق الذهب بدنقلا خطوة مهمة، لأنها تمثل محاولة لإبقاء جزء أكبر من حركة التداول داخل الولاية، وتوفير بيئة منظمة للتجارة، بدلاً من اضطرار التجار إلى الانتقال إلى ولايات أخرى لإتمام عمليات البيع والشراء.
كما أن إعلان بنك السودان شراء الذهب بأسعار منافسة يعكس إدراكاً متزايداً بأن مواجهة التهريب لا تكون عبر الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما أيضاً عبر تقديم حوافز اقتصادية تجعل البيع عبر القنوات الرسمية الخيار الأكثر جدوى للمعدنين والتجار.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه السياسات يظل مرهوناً بإجابة سؤال أكبر:
هل نريد لمدينة دنقلا أن تكون مجرد محطة يخرج منها الذهب الخام، أم أن تصبح مركزاً اقتصادياً متكاملاً لصناعة الذهب وتجارته وخدماته؟
فالفرق بين الحالتين كبير.
في الحالة الأولى يبقى الذهب مورداً سريع الدوران، لكنه محدود الأثر على التنمية المحلية.
أما في الحالة الثانية، فإن الذهب يتحول إلى صناعة متكاملة تخلق فرص عمل دائمة، وتجذب الاستثمارات، وتدعم التدريب والتقنيات الحديثة، وتوفر موارد إضافية للخدمات العامة.
إن تجربة دنقلا اليوم تقف عند مفترق طرق.
فالمدينة تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون مركزاً اقتصادياً مهماً في قطاع الذهب، لكنها تحتاج إلى سياسات تتجاوز استخراج الخام إلى بناء سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة، تبدأ من التعدين المنظم، ولا تنتهي إلا عند التصنيع والتصدير.
غير أن الاقتصاد ليس وحده من يدفع ثمن التوسع غير المنظم في التعدين الأهلي؛ فهناك فاتورة أخرى لا تظهر في الأسواق ولا في دفاتر التجار، لكنها قد تكون الأعلى تكلفة على المدى الطويل.
وهذا ما سنتناوله في الجزء الثاني، حين نقترب من الآثار البيئية والصحية والاجتماعية للتعدين الأهلي، ونسأل: هل تستطيع دنقلا أن تحافظ على ذهبها… دون أن تخسر أرضها وإنسانها؟