أولًا: الاقتصاد العالمي
1- تباطؤ النمو العالمي في ظل تصاعد التوترات التجارية
في ظل بيئة دولية مضطربة، كشفت تقارير صادرة عن أبرز المؤسسات الدولية عن مؤشرات واضحة على تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، نتيجة تصاعد التوترات التجارية وانتهاج الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لسياسات حمائية متزايدة. فقد خفّض كل من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، توقعاتهم للنمو خلال عامي 2025 و2026، محذّرين من تداعيات مباشرة وغير مباشرة لهذه السياسات على حركة التجارة، والاستثمار، وسوق العمل، وسلاسل التوريد العالمية.
وتُخيّم على المشهد الاقتصادي العالمي مخاطر نزولية متزايدة، نتيجة احتدام النزاعات التجارية والتقلبات في الأسواق المالية. فحدوث تحولات مفاجئة في السياسات الاقتصادية أو تراجع ثقة المستثمرين قد يؤديان إلى تشديد الأوضاع المالية العالمية بشكل أكبر. كما أن استمرار التصعيد في الحروب التجارية، وتفاقم حالة عدم اليقين بشأن المسار المستقبلي للسياسات التجارية، يُنذر بتقويض آفاق النمو على المدى القريب والبعيد. وفي حال استمرار تراجع مستويات التعاون الدولي، فإن ذلك قد يُعرقل الجهود الرامية لبناء اقتصاد عالمي أكثر مرونة واستدامة.
أشار تقرير “الآفاق الاقتصادية العالمية” الصادر عن البنك الدولي في 10 يونيو 2025 إلى تدهور ملحوظ في توقعات النمو العالمي، حيث تم خفض تقديرات النمو للعام 2025 إلى 2.3%، أي أقل بنحو نصف نقطة مئوية مقارنة بتوقعات يناير من العام نفسه. كما رجّح التقرير ارتفاعًا طفيفًا في النمو إلى 2.4% في عام 2026، مقابل تقديرات سابقة بلغت 2.7%. ويمثل هذا الأداء أدنى معدل نمو عالمي منذ 17 عامًا، باستثناء فترات الركود.
وفي حال تحقق هذه التوقعات، فإن متوسط معدل النمو العالمي للفترة الممتدة من 2020 إلى 2026 سيكون الأبطأ منذ ستينيات القرن الماضي، ما يعكس حجم التحديات الهيكلية والاضطرابات الجيوسياسية التي تُقيد حركة الاقتصاد العالمي.
ويأتي هذا التباطؤ في ظل تصاعد حدة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي وصفها البنك الدولي بأنها تهديد مباشر للاقتصاد العالمي، مُقدّرًا أن تُلحق هذه الحرب خسائر قد تصل إلى 1.5 تريليون دولار خلال عام 2025 وحده.
فوفقًا للتقرير، من المتوقع أن تؤدي التوترات التجارية المتصاعدة وحالة عدم اليقين على مستوى السياسات إلى تراجع النمو الاقتصادي العالمي هذا العام إلى أبطأ وتيرة له منذ عام 2008، باستثناء فترات الركود العالمية الواضحة. وقد أدت هذه الاضطرابات إلى خفض توقعات النمو لنحو 70% من إجمالي الاقتصادات حول العالم، على اختلاف المناطق وفئات الدخل.
كما أوضح البنك، أنه من المتوقع أن يتباطأ معدل النمو في قرابة 60% من إجمالي الاقتصادات النامية في هذا العام، ليصل متوسطه إلى 3.8% في عام 2025، قبل أن يشهد تحسنًا طفيفًا ليبلغ 3.9% خلال عامي 2026، و2027. ويُعد هذا المستوى أدنى بأكثر من نقطة مئوية من متوسط النمو في العقد الثاني من الألفية الحالية. ومن المتوقع أن تحقق الدول منخفضة الدخل نموًا بنسبة 5.3% هذا العام، وهو ما يمثل تراجعًا قدره 0.4 نقاط مئوية مقارنة بالتوقعات الصادرة في بداية عام 2025.
ومع ذلك، قد ينتعش النمو العالمي بوتيرة أسرع من المتوقع حال تمكنت الاقتصادات الكبرى من تهدئة التوترات التجارية، مما سيحد من حالة عدم اليقين على مستوى السياسات بوجه عام والتقلبات المالية الحادة. وخلص التحليل إلى أنه في حال تسوية النزاعات التجارية الراهنة بخفض الرسوم الجمركية إلى النصف مقارنة بمستوياتها المسجلة أواخر مايو، سيعزز ذلك النمو العالمي بنحو 0.2 نقطة مئوية في المتوسط خلال عامي 2025، و2026.
أكد تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2025 الاتجاهات التباطؤية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث خفّض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.8% لعام 2025، مقارنة بـ3.3% في تقديرات يناير من العام نفسه، مع توقعات بارتفاع طفيف إلى 3.0% في عام 2026. ويُعزى هذا التراجع إلى تصاعد السياسات الحمائية وبلوغ الرسوم الجمركية مستويات تاريخية غير مسبوقة منذ أكثر من قرن، بالإضافة إلى تفاقم حالة عدم اليقين بشأن مستقبل السياسات التجارية العالمية.
وقدم الصندوق توقعات عالمية باستثناء التعريفات الجمركية التي تم فرضها في شهر أبريل، ففي ظل هذا المسار البديل، كان النمو العالمي سيشهد تخفيضًا تراكميًا متواضعًا قدره 0.2 نقطة مئوية فقط، ليصل إلى 3.2% لعامي 2025 و2026.
ووفقًا للتقرير ذاته، شهدت توقعات النمو تراجعًا في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية. ففي الاقتصادات المتقدمة، خُفّضت التقديرات لعام 2025 من 1.9% إلى 1.4%، كما تراجعت توقعات عام 2026 من 1.8% إلى 1.5%. ويُعزى هذا التراجع جزئيًا إلى تباطؤ متوقع في أداء الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب ضعف النمو في بعض الدول الأوروبية، مثل المملكة المتحدة، التي من المتوقع أن تسجل نموًا بنسبة 1.1% خلال العام الجاري مقارنة بنحو 1.6% في تقديرات يناير، ورغم تواضع هذه النسبة، فإنها تبقى أعلى من توقعات النمو لكل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
من جهة أخرى، شهدت المكسيك أكبر خفض في التوقعات، حيث يُتوقع الآن انكماش اقتصادها بنسبة 0.3% خلال عام 2025، مقارنةً بتقديرات سابقة في يناير أشارت إلى نمو بنسبة 1.4%.
في المقابل، توقع صندوق النقد أن تسجل المملكة المتحدة أعلى معدل تضخم بين الاقتصادات المتقدمة، بنسبة تصل إلى 3.1%، مدفوعًا بشكل رئيس بارتفاع تكاليف المعيشة، لا سيما فواتير الطاقة والمياه.
أما في الاقتصادات النامية، فقد انخفضت التوقعات لعام 2025 من 4.2% إلى 3.7%، ولعام 2026 من 4.3% إلى 3.9%. وتعكس هذه التقديرات تأثير السياسات التجارية، إضافة إلى ضعف الطلب العالمي، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتراجع ثقة المستثمرين.
وتأتي هذه التحديثات في ظل انعقاد الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، حيث بحث كبار صانعي السياسات الاقتصادية التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. وأوضح كبير الاقتصاديين في صندوق النقد، بيير أوليفييه غورينشا، أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني آثار “ندوب عميقة” خلّفتها الصدمات الشديدة خلال السنوات الأربع الماضية، مشيرًا إلى أن العالم يواجه مرة أخرى اختبارًا اقتصاديًا قاسيًا. وأكد غورينشا أن حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن السياسات التجارية تُعد من العوامل الرئيسة وراء خفض توقعات النمو، موضحًا أن “رد الفعل الأولي للعديد من الشركات سيكون التوقف عن التوسع، وتقليص الاستثمارات، وتقليص المشتريات”. وأضاف أن وقف تصعيد الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين لم ينعكس بشكل ملموس على التوقعات الاقتصادية العالمية، إذ لا تزال المعدلات الجمركية الفعلية بين الطرفين مرتفعة، فيما يستمر الغموض بشأن المسار المستقبلي للسياسات التجارية.
|