مقالات
بقلم :حسن فضل المولى
دكتور ( منصور خالد ) و الفنان ( عاصم البنا ) ..
آخر تحديث: 8 أغسطس، 2024م
بقلم :حسن فضل المولى
أخي ( صلاح إدريس ) هو من
عرفني على الدكتور ( منصور ) ،
و يكون بذلك قد أسدى لي صنيعاً
سَرَني كثيراً ..
و كان ذلك إبان فترة عملي في
( مصر ) ، مابين ( ٢٠٠٢ ) و ( ٢٠٠٦ ) ..
و كان نُزُل ( الأرباب ) يومها ، في ( الجيزة ) مقالات صداً لنفرٍ من أولي
الرفعة و السمو و اللطف ..
و بينهم ( منصور ) ..
و لما كان ( صلاح ) محباً لفنون
الغناء ، نظماً و تلحيناً و أداءً ،
فقد تبين لي ، في هذه الأجواء
المُفعمة بحلو التغني ، مدى
ولَع ( منصور ) بالغناء ، و تبحُّره
في ألوان و أنواع و مذاهب
( الأغنية السودانية ) . .
يحدثك حديث العالِم العاشق ،
عن أساطين الغناء في السودان ،
و بكثيرٍ من الوَله يفَصِّل القولَ
حول نشأة الغناء في ( أم درمان ) ..
و يوافيك بأعذب الغناء ، و طريفه
و خفيفه ، و عظيمه ..
و ينفر من رديء الغناء ،
و يزجرك إذا تماديت بإشهاره في حضوره ،
و أذكر له في ذلك أكثر من موقف ..
يوماً كنا عائدين من مسكنه إلى ( كورنيش الجيزة ) ، حيث يقيم ( صلاح ) ، و الذي أدار مسجل
العربة لنستمع إلى أغنية ( حديثة الولادة ) ،
فما كان من ( منصور ) إلا و انتفض
وثار ، قدحاً في الأغنية ، و تبخيساً
من شأنها ..
و ( منصور ) ،
نشأ في حي أم درماني يعبق
بأريج التصوف و تجلياته ،
و هو حي ينتمي إلى بيئةٍ وُلِد
غناؤها من رحم ( التصوف ) ،
و سار على هدى ( التصوف ) ،
و استلف مفرداته و معانيه من
مواجد ( المتصوفة ) و هيامهم ..
و لا يفتأ الرواة يتناقلون ، و منهم
( حسن نجيلة ) ، كيف بلغ
سمع الشيخ (الفاتح قريب الله )
صوت ( كرومه ) ، و هو يصدح في ( عرس ) في ( حي ود نوباوي) ..
( ياليل أبقا لي شاهد
على نار شوقي و جنوني
ياليل ) ..
فأرسل في طلبه ،
و عندما بلغ الرسول ( كرومة ) ،
أوجس في نفسه خيفةً ، من هذا الاستدعاء ، فآزره ( عمر البنا ) ..
و لما قدِما ، قال مخاطباً (كرومة ) ،
بصوت حميمٍ خفيض ..
( سمعتك تنشد عن الليل ،
أسمعني ) ..
و غنى ( كرومه ) ، و ردد معه
( عمر البنا ) ..
( ياليل أبقالي شاهد
ياليل صار ليك مُعاهد
طرفي اللي منامو زاهد ) ..
ياليل ) ..
و لما كان ( الليل ) عند ( الشيخ ) ،
هو ( ليل ) العابدين القانتين ،
فقد أطرق و أخذ يردد ..
( الله ، الله ، الله ) ،
و غشيه ما غشيه من سكرات
الوجد ، و الأحوال العرفانية ..
و بعدها ..
انصرف ( كرومه ) إلى ( ليلِهِ ) ..
و بقي ( الشيخ ) في ( ليلهِ ) ..
و ( يا ليلى ليلك جنَّ
معشوقك أوَّه و أنَّ ) ..
و ( منصور ) ،
زرته أكثر من مرة بصحبة ( صلاح ) ،
حيث يقيم في ( الميريلاند ) ، في
( حي مصر الجديدة ) ، فبهرني
تنسيق المكان ، و المكتبة التي
تزدان بأمهات الكتب لتبدو
و كأنها عقودٌ نظيمة منضودة ..
و الكتاب أنيسه الأثير الذي لا
يمل صحبته ، اطلاعاً و تأليفاً ..
و ( منصور ) ،
كلما دنوت منه تأسرك تلك
اللمسات الجمالية في كل شأنه ..
إذ ينتقي و يصطفي و يتخير ،
فلا تعبر به شاردة و لا واردة ،
إلا و يخلع عليها من وهجه
و عبقه و سحره ..
تجد ذلك في هندامه ، و ما
يغدقه على كل مكان أقام فيه
من موحيات التنعُّم و الإبهار
و نعيم الحياة الدنيا ..
و كلَفُهُ بالحُسن و الأشجار
و الأزهار لا يُدانى ،
و أذكر لما استقر في ( السودان ) ،
أسند إليَّ أخي ( جمال الوالي )
مهمة مباشرة نقل أمتعته ،
فلقد كان بينهما من المودة
ما شَهِدتُ طرفاً منها ..
و أديت المهمةَ بهمةٍ مبعثها
عميق المحبة ..
و كان ( منصور ) يتابع معي بحرص
شديد ( شحنات الزروع ) ،
مختلفة الألوان و الأشكال ،
و التي اجتباها من ( وزارة الزراعة
المصرية ) ،
و بعدها كنت كلما أزوره ، بداره
المُخضرة المُزهرة في ( الخرطوم شرق ) ، أُلاطِفُهُ بأني قد ساهمت
في هذا الجمال الذي يلف الدار ،
و يفتن الأنظار ..
و ما ظننت أني سأجد من يزاحمني
في انبهاري بما ازدانت به تلك
( الأرجاء ) إلا عندما رثته الجميلة
( سهير عبدالرحيم ) بمقال تحت
عنوان ، ( قلة الأوتاد ) ،
أوحت من خلاله بأجمل ما رأت
عيناها ، وهي تزوره في مرضه
الأخير ، برفقة صديقنا الوجيه ( ضياءالدين بلال ) ..
( …. فُتح لنا الباب الخشبي العتيق ،
و سرنا في حديقة غنَّاء تحكي عن
ذوق رفيع في اختيار العشبة
و الزهرة ،
و مابين أشجار ( السايكس) ،
و ( الأوركيد ) ، و ( الأيفوربيا ) ،
توهطت ( القولدن شور ) ،
و ( الأشوكا ) ، و ( الهايبسكس ) ،
في تجانس يحكي قصة صداقة
مع الجمال … ) ..
و هو مقال أنيق يستجلي الجمال
في أنضر صوره ،
و يبرز واقع ( منصور ) و كأنه من
نسج الخيال ..
و هكذا ( سهير ) ..
تمتَدِح فَتُطرب ،
و تهجو فتوجِعُ ..
و أنا في ( النيل الأزرق ) كنت أُوالي
زيارته ، فيمازحني ( بقالوا )
و ( قالوا ) ، فأرد عليه ( بقالوا ) ،
( و قالوا ) ..
و في آخر مرة جلست إليه في
مكتبته ، و أمامه ( تل ) أوراق ، مما خطت يداه ،
و قال لي فيما قال ، إنه يجلس
ليكتب و يقرأ ، في هذا المكان ،
من ( الثانية عشرة منتصف
النهار ) ، إلى ( الخامسة مساءً ) ..
قلت له ( يادكتور منو البقرا ،
في الزمن ده !!
خفف شوية ، و خليني أجيك كل
مرة أسوقك معاي عرس عرسين ، تشوف الخرطوم دي عاملة كيف !! ) ..
و ضحكنا ..
و لما رأيت مزاجه ( رااااايق ) ،
طرحت عليه يومها أن يتكرم
على ( قناة النيل الأزرق ) بحلقات
عن أغنية الحقيبة ، وما أسهمت
به ( أم درمان ) في مسيرة الأغنية
السودانية ..
بدأ يسوق لي الأعذار ..
كان يدافعني ..
( لا يمكن ) لكذا و كذا ، من الأسباب ،
فأقول له بالإمكان ذلك ، إذا فعلنا
كذا و كذا ..
و أخيراً أثلج صدري بموافقته ..
و اقترح عليَّ أن يقوم بتقديم هذه الحلقات الفنان ( عاصم البنا ) ..
و لحظتها اتصلت ( بعاصم ) ،
و نقلت إليه رغبة ( منصور ) ،
و أتحت له الفرصة للتحدث معه ..
و اتفقنا ..
و مقترح ( منصور) بان يتولى
التقديم ( عاصمٌ ) صادف هوىً
في نفسي ، ذلك أنني قد نَوَيْتُ
يوماً إسناد تقديم برنامج
( أغنيات من البرامج ) للفنان ( عاصم ) ، إن وافق ،
و لكن خوفي من ارتباطاته جعلني
أقترح على الأخ الشفيع ( مصعب
الصاوي ) ..
و يشاء الله أن تقْعُدَ العِلة بدكتور
( منصور ) ليتعذر اتمام ما انعقد
عليه عزمنا ..
و رحل ..
رحم الله ( منصور خالد ) ..
و حفظ الله ( عاصم البنا ) ..
و السلام ..