يشير تغير المناخ إلى التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس على مستوى كوكب الأرض، وهي تحولات قد تنجم في بعض الأحيان عن عوامل طبيعية، مثل التغيرات في النشاط الشمسي، غير أن العامل الحاسم والمحرك الرئيسي لتغير المناخ منذ القرن التاسع عشر يتمثل في الأنشطة البشرية، ولا سيما حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز؛ إذ تؤدي هذه العمليات إلى انبعاث غازات دفيئة -مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان- التي تعمل كغطاء يحيط بالغلاف الجوي، فيمنع حرارة الشمس من النفاذ إلى الخارج، ويرفع متوسط درجات الحرارة العالمية. وقد تسبب تغير المناخ في تطوير العديد من الظواهر السلبية مثل: ذوبان الجليد القطبي، وارتفاع مستوى سطح البحر، وما يتبعه من تسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، وتهديد المدن بالفيضان.
وفي السياق الحضري، تتخذ هذه الآثار أبعادًا أكثر تعقيدًا، حيث تواجه المدن تحديات متزايدة تتعلق بندرة الموارد المائية، وتكرار موجات الجفاف، وضغوط النمو السكاني والاستهلاك غير المستدام. ويبرز الجفاف الحضري كنقطة تقاطع حرجة بين المخاطر البيئية وأطر الحوكمة المائية، بما يكشف عن محدودية السياسات التقليدية في إدارة المياه.
وفي هذا الإطار، يسعى العدد الجديد من النشرة الأسبوعية، لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، إلى تحليل العلاقة بين تغير المناخ والمناطق الحضرية، واستعراض أبرز التأثيرات المناخية التي تواجه المدن، مع التركيز على أزمة الجفاف بوصفها أحد أخطر التحديات المناخية التي تواجه المدن، وذلك من خلال دراسة حالتي طهران وكيب تاون، وصولًا إلى إبراز أهمية تبني نهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية كمدخل أساسي لتعزيز قدرة المدن على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
القسم الأول: العلاقة بين تغير المناخ والمناطق الحضرية.
القسم الثاني: أزمة الجفاف في العاصمة الإيرانية طهران.
القسم الثالث: أزمة الجفاف في العاصمة الجنوب إفريقية كيب تاون.
القسم الرابع: أهمية الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
تمثل المناطق الحضرية أجزاء ضمن الحدود الإدارية للمدن، أو هي مجموع الحدود الإدارية للمدينة، لذا هناك ترابط كبير بين مفهومي (المناطق الحضرية) و(المدن). ويعيش في تلك المناطق حوالي 4.4 مليارات نسمة، أي أكثر من نصف سكان العالم، وتسهم بنحو 75% من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، المسببة لتغير المناخ؛ حيث تستهلك المدن موارد كبيرة مثل الطاقة والمياه، وتعمل كمراكز رئيسية للنقل، مع ما يتبعها من شبكات الطرق الواسعة وأنظمة النقل العام والمطارات، مما يسبب كميات كبيرة من انبعاثات الكربون.
كما تؤدي ضغوط النمو، خاصة إذا تمت إدارته بشكل سيئ إلى استنزاف مطرد للمساحات الخضراء في العديد من المناطق الحضرية، ومن الممكن أن يتعرض أكثر من ملياري شخص يعيشون حاليا في المدن لزيادة إضافية في درجات الحرارة. كما تشهد العديد من المدن معدلات احترار تتجاوز ضعف المتوسط العالمي، وهي ظاهرة تتفاقم مع التسارع الكبير في وتيرة الهجرة للمدن.
ورغم أن ارتفاع درجات الحرارة يمثل تحديًا عالميًّا، فإن بعض المدن والأحياء، تعاني مستويات أعلى من الحرارة مقارنة بغيرها. وتعود الفوارق بين درجات حرارة المدن بالأساس إلى الخصائص المادية للبيئة الحضرية؛ حيث إن البنى التحتية المبنية، مثل الطرق والمباني والأرصفة، إلى جانب العناصر الطبيعية كالغطاء الشجري والمسطحات المائية تحدد كيفية انتقال الحرارة داخل المدينة. وفي معظم المناطق الحضرية، يؤدي الانتشار الواسع للأسطح الداكنة، مثل الأسفلت، إلى احتجاز الحرارة وارتفاع درجاتها، مما يسهم في تفاقم ظاهرة الاحترار، أو ما يسمى بـ “جزيرة الحرارة الحضرية”.
وفي ظل توقع زيادة سكان المدن بنحو 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، سيزداد الضغط على البنى التحتية والموارد المائية، مما يجعل حماية البيئة واستعادة قدراتها شرطًا أساسيًا لبناء القدرة على الصمود وتعزيز الأمن المائي؛ لذا أصبحت المدن تحتاج إلى ما يقدر بنحو 4.5 إلى 5.4 تريليونات دولار أمريكي سنويًا لبناء وصيانة أنظمة قادرة على التكيف مع تغير المناخ، ومع ذلك يبلغ التمويل الحالي 831 مليار دولار أمريكي فقط، وهو ما يمثل جزءًا محدودًا من الاحتياجات الفعلية. ويؤدي هذا العجز التمويلي إلى تعريض المدن، وخاصة سكانها الأكثر ضعفا، لمخاطر متصاعدة بفعل تأثيرات الظواهر المصاحبة لتغير المناخ، مثل الفيضانات وارتفاع منسوب البحر والاحترار الحضري وندرة المياه.
ولا تتساوى إسهامات المدن في تفاقم أزمة تغيّر المناخ؛ إذ لا تنتج المدن الواقعة في البلدان منخفضة الدخل سوى نحو 14% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الحضرية عالميًّا، ومع ذلك فهي الأكثر تعرضًا لمخاطر وآثار تغيّر المناخ، فضلًا عن ضعف قدرتها على الصمود وضعف القدرة على تحمل الخسائر الاقتصادية مقارنة بالمدن في البلدان مرتفعة الدخل. ويفاقم هذه الهشاشة أن المدن منخفضة الدخل غالبًا ما تستقبل تدفقات سكانية ناتجة عن الأحوال الجوية المتطرفة في المناطق الريفية، مما يؤدي إلى نشوء مستوطنات جديدة غير رسمية على أطراف المدن، بقدرة محدودة على الحصول على الخدمات الأساسية، بما يعمق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن العمل المناخي في تلك المدن إما يفشل في حماية المجتمعات الأكثر ضعفا أو يجعل وضعها أسوأ. ويشمل العمل المناخي على سبيل المثال “التجديد الأخضر”، عندما تؤدي التدابير المفيدة مثل إنشاء المتنزهات إما إلى النزوح المباشر للأسر الفقيرة أو إلى رفع قيم الوحدات السكنية.
ورغم الإسهام الصغير للمدن في البلدان منخفضة الدخل، فإنها تحمل عبء تجنب إعادة إنتاج مسارات الانبعاثات التاريخية التي سلكتها نظيراتها في البلدان مرتفعة الدخل، وهو ما يمثل عائقا جديدا أمام تلك المدن في مشروعات التنمية؛ فبدون الابتكار والاستثمار في تخضير المدن منخفضة الدخل، سيظل مستوى الانبعاثات العالمي أعلى من هدف تثبيت ارتفاع درجة الحرارة عند 1.5 درجة مئوية، حتى إذا تمكنت المدن في البلدان مرتفعة الدخل والشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل من الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2050.
أولًا: التأثيرات العامة لتغير المناخ على المناطق الحضرية
يؤدي تغير المناخ إلى رفع معدلات التبخر وزيادة محتوى الغلاف الجوي من بخار الماء، وهو ما يحدث اضطرابًا في أنماط هطول الأمطار. وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار درجة واحدة فهرنهايت في متوسط درجة الحرارة يقابله ازدياد بنحو 4٪ في كمية بخار الماء في الهواء. ويتفاقم هذا الأثر في المناطق الحضرية (المدن) نتيجة التوسع العمراني الكثيف، في وقت تعاني فيه العديد من تلك المناطق من تقادم شبكات تصريف مياه الأمطار وعدم ملاءمتها للأنماط المناخية الجديدة.
وتشير بيانات Carbon Disclosure Project (CDP) -منظمة عالمية غير ربحية تدير الإفصاح البيئي العالمي للشركات والمدن- إلى أن من بين 1131 مدينة أبلغت عن بياناتها البيئية في عام 2023، أفادت 83% منها بأنها تواجه مخاطر مناخية كبيرة؛ حيث أبلغت 58% عن مخاطر تتعلق بالفيضانات، و54٪ عن موجات الحر الشديد، و38% عن الجفاف، و35% عن الأمطار الغزيرة، و22% عن خطر الحرائق.
وبالتوازي، يفرض تغير المناخ ضغوطًا متزايدة على إمدادات المياه الحضرية، إذ يحوّل مناطق كانت تتمتع بوفرة نسبية في الموارد المائية إلى بؤر للندرة، بينما تتعرض مناطق شبه جافة لفيضانات مفاجئة. وتوضح تقارير منظمة اليونيسف أن نقص المياه في المناطق الحضرية هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل النمو السكاني المتسارع، وسوء إدارة الموارد المائية، وضعف حوكمة المياه، وتدهور البنية التحتية، والاستخدام غير الكفء للمياه، واشتداد المنافسة بين القطاعات المختلفة عليها، بما يفضي إلى آثار صحية واجتماعية واقتصادية واسعة. وعليه، تبرز إدارة المياه الحضرية بوصفها محورًا حاسمًا لتعزيز قدرة المدن على الصمود في مواجهة التداعيات المناخية المتصاعدة.
ثانيًا: الجفاف الحضري _ بوصفه أحد أخطر آثار تغير المناخ
يُفهم الجفاف الحضري عادة بوصفه امتدادًا لظاهرة طبيعية تتمثل في تراجع هطول الأمطار ونقص الإمدادات المائية، ومع ذلك، لا يوجد تعريف جامع شامل متوافق عليه عالميا؛ حيث يختلف تأثير السياقات الجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية على كيفية تطور أحداث الجفاف والآثار الناتجة عنها. لذلك، يصنف الخبراء حالات الجفاف بناء على تأثيرها. وتم تحديد أربعة أنواع رئيسة تتمثل في:
الجفاف المناخي: يحدث عندما يكون هطول الأمطار أقل من المتوقع في منطقة معينة، لا سيما خلال مواسم الأمطار.
الجفاف الزراعي: ينشأ عن استمرار “الجفاف المناخي” إلى الحد الذي تُستنفد فيه الرطوبة المتبقية في التربة، والضرورية لنمو المحاصيل.
الجفاف الهيدرولوجي: يمتد عندما تمتد فترة الجفاف لأكثر من موسم، وتنخفض مستويات المياه في الخزانات، إضافة إلى إمدادات المياه الجوفية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك نقص إمدادات المياه البلدية، والآثار الصحية السلبية، والحرائق التي تدمر الموارد من الغابات والمراعي.
الجفاف الاجتماعي والاقتصادي: مزيج من الجفاف المناخي والزراعي والهيدرولوجي؛ ويتم تحديده عندما يؤثر نقص الوصول إلى المياه على العرض والطلب على السلع المختلفة، مثل: الحبوب الغذائية، والأعلاف، والأسماك، والطاقة الكهرومائية، ويبدأ في إحداث تأثير ضار على أرواح الأفراد.
غير أن جذور الجفاف في السياق الحضري تتجاوز العوامل المناخية والهيدرولوجية لتشمل تأثيرات الأنشطة البشرية ذاتها. إذ يؤدي النمو السكاني المتسارع في المدن وارتفاع الطلب على الموارد المائية، التي هي محدودة في الأصل، إلى ضغوط هيكلية تُفضي إلى ندرة المياه حتى في غياب العجز الطبيعي. ومع تزايد تواتر الجفاف، يتحول العجز المائي تدريجيًّا ليصبح “الوضع المعتاد الجديد؛ فعلى مدار نصف القرن الماضي، ارتفعت صدمات جفاف الأمطار الشديدة -أي الحالات التي يقل فيها الهطول عن متوسطه- بنسبة وصلت إلى 233% في بعض المناطق.
وتكشف حالات الجفاف واسعة النطاق في آسيا عن هشاشة المدن أمام التقلبات المناخية، لا سيما في البلدان الأقل نموًا التي تشهد أسرع معدلات التحضر عالميًّا. وتشير التقديرات إلى أن ثلثي المدن الكبرى تقع في مناطق شديدة التعرض لتأثيرات تغير المناخ. في حين تسهم المدن نفسها في تكوين مناخات محلية تزيد من حدة موجات الحرارة والجفاف، ويؤدي التوسع العمراني غير المنظم -خصوصًا عقب فترات الجفاف الحاد- إلى دفع البناء نحو مناطق معرضة أصلًا للفيضانات، كما يظهر في مدن إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يؤدي التوسع العمراني بنسبة 10% إلى زيادة المساحات المبنية المعرضة لفيضانات شديدة بنسبة 1.3%.
وعلى المستوى العالمي، تتصاعد مخاطر الجفاف وآثاره الإنسانية؛ إذ يتأثر نحو 55 مليون شخص سنويًّا بهذه الظاهرة، والتي تُعد من بين أكثر الكوارث الطبيعية تسببًا في الخسائر البشرية، فقد تسبب في وفاة نحو 650 ألف شخص خلال الفترة 1970–2019. كما يُتوقع أن يصل عدد المعرّضين للنزوح بسبب الجفاف إلى 700 مليون شخص بحلول عام 2030، بينما يعيش نحو 2.3 مليار إنسان في دول تعاني من ضغوط مائية يتجاوز فيها الطلب الموارد المتاحة أو تتدهور فيها جودة المياه بما يحد من استخدامها.
وفي هذا السياق، يشير البنك الدولي إلى أنه بحلول أواخر القرن الحادي والعشرين قد تتضاعف مساحة الأراضي وعدد السكان المعرضين لموجات جفاف شديدة على المستوى العالمي. ورغم عدم اليقين المصاحب لتوقعات هطول الأمطار مستقبلًا، فإن نماذج تغير المناخ تتفق على أن أنماط الهطول ستصبح أكثر تقلبًا وتطرفًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، ويؤكد هذا المشهد المركب أن الجفاف الحضري نتاج تفاعل معقد بين التغير المناخي والضغوط البشرية على الموارد.
وبناء على ما سبق، يتضح أن المناطق الحضرية تقع في صميم معادلة تغير المناخ، بوصفها مساهمًا رئيسيًا في الانبعاثات ومجالًا مكشوفًا لتداعياتها المتفاقمة في آنٍ واحد، ولا سيما ما يتعلق بالضغط المتزايد على الموارد المائية واشتداد مخاطر الجفاف. كما يتضح أن الجفاف في المدن لا يمكن اختزاله في كونه نتيجة مباشرة لتراجع الهطول المطري، بل هو نتاج تفاعل بين العوامل المناخية والاختلالات البنيوية في التخطيط العمراني وإدارة المياه والحوكمة المائية، بما يجعل بعض المدن أكثر هشاشة من غيرها رغم محدودية إسهامها في تفاقم الأزمة المناخية. وانطلاقًا من هذا الإطار التحليلي العام، يناقش الجزء التالي دراسة حالات نموذجية تجسد هذا التفاعل على أرض الواقع، من خلال تحليل أزمتي الجفاف في العاصمة الإيرانية طهران، والجنوب إفريقية كيب تاون، وذلك لفهم أبعاد التحديات المناخية وأثرها على إدارة الموارد المائية الحضرية.
ضربت العاصمة الإيرانية طهران، التي يقطنها أكثر من 10 ملايين نسمة، موجة جفاف ممتدة على مدار سنوات متتالية، في ظل تراجع حاد وغير مسبوق في كميات الأمطار؛ حيث تراجعت معدلات هطول الأمطار بنسبة تقارب 90% مقارنة بالمتوسطات التاريخية. وبات يوجد ما لا يقل عن 19 سدًا رئيسيًّا في حالة استنزاف تام أو قريبة من ذلك. وشهدت عدة مدن مرور فصل خريف كامل دون تسجيل أي هطول مطري يُذكر.
وتزامن هذا النقص الحاد في الأمطار مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، مما أدى إلى تكثيف معدلات التبخر في الأحواض المائية الرئيسية. وقد زاد تغير المناخ بشكل كبير من حدة موجة الجفاف الممتدة، وسرّع من وتيرة انهيار أنظمة المياه الإيرانية في عام 2025، والتي تعتبر واحدة من أكثر سنوات إيران جفافًا منذ عقود، بما في ذلك العاصمة طهران، والتي لم تتجاوز كمية الأمطار المسجلة فيها حتى منتصف نوفمبر 1.1 ملم فقط، بانخفاض يقدر بنحو 95%. كما انخفض تراكم الثلوج في بداية الموسم في جبال (البرز) -التي تمثل الخزان الطبيعي الأهم لمياه العاصمة- إلى أدنى المستويات المسجلة تاريخيًّا، ليواجه سكان العاصمة انقطاعات متكررة في إمدادات المياه وانخفاضًا حادًّا في ضغط المياه داخل المنازل، بالتوازي مع مناشدات رسمية متكررة لتقليل الاستهلاك. وطبقا لأنواع الجفاف السالف ذكرها، تصنف الأزمة في طهران ضمن “الجفاف الهيدرولوجي”.
تعتمد طهران تقليديًّا على خمسة خزانات رئيسية لتلبية احتياجاتها المائية، هي: لار، ولاتيان، وطلقان، وأمير كبير، وماملو، إلا أن هذه الخزانات تواجه ضغوطًا هيكلية متزايدة. فقد شهد أربعة من هذه الخزانات انخفاضات حادة في المياه السطحية، في عام 2025؛ إذ انكمش مخزون لار ولاتيان بأكثر من 70%، متجاوزين التقلبات الموسمية الطبيعية، بينما انخفض مخزون طلقان وأمير كبير بنسبة 28% و20% على التوالي، في حين ظل سد ماملو أكثر استقرارًا نسبيًّا بانخفاض قدره 8.5%.
المصدر: CSIS | مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وتكتسب هذه التفاوتات أهمية خاصة؛ نظرًا لأن كل خزان يخدم أجزاء مختلفة من العاصمة، مما يؤدي إلى توزيع غير متكافئ لأزمة المياه بين الأحياء، ويعمق أبعاد عدم المساواة المكانية في الحصول على المياه داخل المدينة. وقد أسهم الانخفاض الحاد في مخزونات السدود في تفاقم أزمة الكهرباء المزمنة، خاصةً في ظل اعتماد إيران على الطاقة الكهرومائية بنسبة تقارب 4.4% من إجمالي توليد الكهرباء، مما جعل قطاع الطاقة أكثر هشاشة أمام تقلبات الموارد المائية. كما ينعكس الجفاف بشكل مباشر على الأمن الغذائي، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج الزراعي المحلي لتلبية احتياجاته الأساسية.
ويعكس الجفاف المستمر الذي تعانيه طهران تصاعدًا واضحًا في مدة وشدة أحداث الجفاف، إلى جانب تراجع طويل الأمد في معدلات الهطول المطري حول العاصمة. وتشير نماذج المناخ المستقبلية إلى احتمالية تفاقم موجات الجفاف وفترات الانقطاع المطري في السنوات القادمة.
وقد تجاوزت آثار الأزمة طهران وامتدت إلى مدن إيرانية أخرى مثل شيراز وأصفهان ويزد؛ حيث أدى الاستغلال المفرط للمياه الجوفية إلى هبوط الأرض، مما تسبب في تشقق المباني وانهيار الطرق وتهديد المعالم التاريخية، نتيجة إضعاف البنية التحتية الجيولوجية للتربة. ومع جفاف البحيرات والأنهار، تتحول تلك المناطق إلى مصادر واسعة للغبار والرمال، القادرة على الانتقال لمسافات طويلة تتجاوز المدن بل والحدود الوطنية، مسببة تدهور جودة الهواء والتربة على نطاق إقليمي. وبذلك، تتحول أزمة المياه المحلية في إيران إلى تهديد بيئي عابر للحدود، قد يؤثر على ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها، من سيستان وبلوشستان وخوزستان وصولًا إلى الدول المجاورة الواقعة في اتجاه الرياح.
وإلى جانب ذلك، تعد تلك العواصف الرملية والغبارية من أخطر التداعيات البيئية طويلة الأمد، سواء من حيث تكاليف إدارتها المرتفعة أو آثارها الصحية والاقتصادية؛ حيث تقدر التكلفة السنوية لإدارة هذه العواصف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 150 مليار دولار أمريكي، فضلًا عن دورها في زيادة مخاطر الفيضانات المفاجئة القاتلة نتيجة تدهور قدرة التربة على امتصاص مياه الأمطار.
وتتفاقم هذه الأزمة المائية في سياق مساهمة إيران الكبيرة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ إذ تعد ثالث أكبر منتج للغاز الطبيعي عالميًّا وسابع أكبر منتج للنفط الخام، فضلًا عن كونها ثالث أكبر مصدر لانبعاثات غاز الميثان، أحد أكثر الغازات الدفيئة تأثيرًا، نتيجة مستويات الاحتراق المرتفعة وقِدَم البنية التحتية للوقود الأحفوري. الأمر الذي عمّق من الاحترار الإقليمي في منطقة تواجه بالفعل هشاشة مائية متزايدة.
وفي هذا السياق، أصبحت السدود الرئيسية التي تزود مقاطعات تضم ملايين السكان بمياه الشرب شبه فارغة، في وقت استُنزفت فيه احتياطيات المياه الجوفية على نطاق واسع، وشهدت عدة مدن مرور فصل خريف كامل دون تسجيل أي هطول مطري يذكر.
تعود أزمة الجفاف في العاصمة طهران إلى تداخل عوامل طبيعية وبشرية، حيث تقع المدينة ضمن الحوض المركزي الإيراني، وهي منطقة تغطي أكثر من نصف أراضي البلاد والعدد الأكبر من السكان، لكنها لا تحتفظ سوى بأقل من ثلث موارد المياه العذبة، وقد أسهم تغير المناخ في تقليص معدلات الأمطار وزيادة درجات الحرارة، وفاقم من أزمة الجفاف، القائمة بالفعل نتيجة السياسات المائية غير المستدامة. ومن أبرز هذه السياسات:
1. النمو الحضري السريع في طهران: فقد تضاعف عدد سكان المدينة من نحو خمسة ملايين عام 1979 إلى ما يقارب عشرة ملايين في الوقت الحالي، ومن المتوقع أن يزداد مليون نسمة إضافي بحلول عام 2035. وهذا التوسع السكاني ترافق مع زيادة كبيرة في استهلاك المياه، والذي ارتفع من 346 مليون متر مكعب سنويا في سبعينيات القرن الماضي إلى 920 مليون متر مكعب في عام 2001، ثم لأكثر من 1.2 مليار متر مكعب حاليا.
2. تقلص الغطاء النباتي: أدى التوسع العمراني إلى تقليص الغطاء النباتي في المدينة بنسبة تقارب 90٪، واستبدال المساحات الخضراء بأسطح غير منفذة تمنع تسرب مياه الأمطار إلى التربة وتجديد المخزون الجوفي. ومع تضخم الطلب وتراجع الموارد الطبيعية، أصبحت البصمة المائية لطهران أكبر بكثير من القدرة الاستيعابية لمواردها المائية.
3. الدعم الحكومي لأسعار المياه: تسبب الدعم الحكومي الكبير لأسعار المياه في جعل المستهلكين في المدن يدفعون حوالي نصف التكلفة الفعلية فقط، على سبيل المثال في عام 2024 دفع المستهلكون الحضريون 52% فقط من التكاليف الفعلية لاستهلاكهم من المياه، وهو ما شجع على الإفراط في الاستهلاك، حيث يتجاوز 70٪ من سكان المدينة الحد المخصص البالغ 130 لترا يوميا للفرد ليصل متوسط الاستهلاك إلى ما بين 200 و400 لتر يوميا.
4. التركيز الطويل الأمد على الزراعة المروية: والتي تستهلك نحو 90٪ من موارد المياه في البلاد رغم مساهمتها المحدودة في الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى تشجيع زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه حتى في المناطق الجافة، مما أدى إلى استنزاف خطير للمياه الجوفية.
5. حملة بناء السدود الطموحة: التي استهدفت تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة، والتي ساهمت في تعطيل النظم البيئية الطبيعية وتجفيف الأراضي الرطبة والبحيرات الكبرى، مثل بحيرة أورمية التي تحولت من أكبر بحيرة ملحية في الشرق الأوسط إلى طبقة ملحية جافة تهدد المنطقة بعواصف غبارية مالحة.
6. ضعف تنظيم استخراج المياه الجوفية وانتشار الآبار غير القانونية: إذ يوجد نحو مليون بئر، نصفها غير قانوني، مما أدى إلى استنزاف شديد للطبقات الجوفية، حيث يمثل سحب المياه الجوفية لإنتاج المحاصيل نصف البصمة المائية الإجمالية لمحافظة طهران، وباتت تخسر المنطقة سنويا نحو 101 مليون متر مكعب من المياه بشكل لا رجعة فيه.
7. تأثير العقوبات الدولية: فاقمت العقوبات المفروضة على طهران الأزمة من خلال حرمانها من الوصول إلى تقنيات حديثة في إدارة المياه، مثل: أنظمة الري المتقدمة، والمراقبة الفضائية عالية الدقة، وأدوات الذكاء الاصطناعي السحابية. كما تسببت تلك العقوبات في عزوف المستثمرين الأجانب عن تمويل المشاريع المائية؛ مما حدّ من فرص الابتكار وتطوير البنية التحتية.
في مواجهة أزمة الجفاف، طرح مسؤولون إيرانيون خلال الأشهر الأخيرة حزمة من الحلول ذات الطابع التقني، شملت التوسع في عمليات الاستمطار الصناعي (زرع السحب)، إلى جانب مقترحات لإنشاء محطات تحلية واسعة النطاق في الخليج العربي ونقل المياه لمسافات تمتد لمئات الكيلومترات إلى الداخل الإيراني. غير أن هذه الخيارات تعتمد على استهلاك كثيف وملوث للطاقة، سواء في تشغيل محطات التحلية أو في عمليات النقل، مما يثير تساؤلات حول جدواها البيئية والاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.
لكن التركيز على هذه التدخلات التقنية البارزة قد يصرف الانتباه عن الحاجة الملحة إلى إصلاحات هيكلية، والتي على الرغم من صعوبتها، فإنها توفر حلولًا أكثر استدامة، تشمل تحديث نظم الري، وتنظيم استخراج المياه الجوفية، وإعادة توجيه السياسات الزراعية التي تعزز الأنشطة كثيفة الاستهلاك للمياه.
وفي السياق ذاته، شرعت السلطات الإيرانية في تطبيق إجراءات تقنين مباشرة، تمثلت في قطع المياه خلال فترات الليل في العاصمة، بينما حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من احتمال اللجوء إلى الإخلاء القسري للعاصمة “طهران” في حال استمرار غياب الأمطار، مؤكدًا أن الهضبة الإيرانية الوسطى أصبحت غير صالحة للسكن، وأن طهران لم تعد قابلة للاستدامة البيئية في وضعها الراهن.
(نقص المياه في عام 2018 في فيليرسدورب بجوار سد ثيواتركلوف)
شهدت العاصمة كيب تاون بجنوب إفريقيا واحدة من أخطر أزمات المياه الحضرية في العصر الحديث، وكانت ستبلغ ذروتها في 12 أبريل 2018، إلا أن نحو أربعة ملايين نسمة تمكنوا بصعوبة بالغة من تفادي نفاد شبه كامل لمياه الشرب. وقد جاءت هذه الأزمة نتيجة تفاعل معقد بين النمو السكاني المتسارع، وتغير المناخ، وسنوات متتالية من الجفاف الحاد، مما أدى إلى انهيار كبير في منظومة إمدادات المياه البلدية. وفي هذا السياق، حذرت السلطات من الوصول إلى ما يُعرف بـ”اليوم صفر”، وهو السيناريو الذي كانت ستجبر فيه المدينة على قطع المياه عن المنازل والأنشطة التجارية بسبب الانخفاض الحرج في مستويات الخزانات.وتصنف الأزمة في كيب تاون ضمن “الجفاف الهيدرولوجي”، طبقا لأنواع الجفاف سالفة الذكر.
أولًا: أسباب جفاف العاصمة كيب تاون
رغم حدة الأزمة، فإن خطر نفاد المياه لم يكن أمرًا مستجدًا بالكامل في كيب تاون. فرغم أن جنوب إفريقيا تُعد من الدول الجافة نسبيًا، فإن كيب تاون تتميز بمناخ متوسطي يعتمد على أمطار شتوية منتظمة، تتأثر بالتقاء الرياح الرطبة القادمة من المحيط مع جبل “تيبل”، الذي يعمل على احتجاز الهواء الدافئ والرطب، مما يسهم تقليديًّا في تغذية مصادر المياه العذبة، غير أن هذا النظام المناخي أظهر هشاشة متزايدة في ظل ظروف تغير المناخ.
تمثل الأزمة تحديًا هيكليًّا طويل الأمد، نجم عن فترة جفاف استثنائية امتدت لعدة سنوات، مما أدى إلى تأخر إدراك حجم الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمن المائي للمدينة. ومع ذلك، شهد العقدان السابقان وعيًا متزايدًا لدى المسؤولين والمدافعين عن قضايا المياه بأن الموارد المائية العذبة محدودة، وبوجود فجوات واضحة في العدالة المائية بين المناطق الفقيرة وبقية المدينة.
وتُظهر البيانات أن السنوات الثلاث التي سبقت عام 2018 كانت من بين أشد فترات الجفاف منذ أكثر من قرن. ففي عام 2014 كانت الخزانات الستة الرئيسية في كيب تاون ممتلئة تقريبًا، إلا أن مستوياتها تراجعت بصورة حادة خلال سنوات الجفاف اللاحقة. ووفقًا لبيانات وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، انخفضت نسبة امتلاء الخزانات إلى نحو 26% من طاقتها الإنتاجية في يناير 2018، في حين خططت السلطات لقطع المياه كليًّا عند وصول النسبة إلى 13.5%.
ثانيًا: استجابة الحكومة الجنوب إفريقية للأزمة
تفاقمت الأوضاع بشكل تدريجي في الأشهر التي سبقت “اليوم صفر”، الأمر الذي دفع السلطات المحلية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الطارئة؛ فقد جرى تجهيز نحو 200 محطة توزيع مياه خارج محلات البقالة وفي مناطق التجمعات السكنية، بحيث تخدم كل محطة قرابة 20 ألف شخص. كما نسق مسؤولو المدينة مع الجيش لتخزين المياه في قواعده لاستخدامها في حالات الطوارئ، وتم فرض قيود صارمة شملت حظر ملء حمامات السباحة وغسل السيارات. إضافة إلى ذلك، تم تنفيذ دوريات أمنية لحماية الينابيع الطبيعية ومنع النزاعات حول مصادر المياه، في ظل تقارير عن ممارسات احتكارية ورفع غير مشروع لأسعار المياه المعبأة من قِبل بعض التجار.
وعلى الرغم من حملات التوعية التي أطلقتها المدينة لتشجيع السكان على ترشيد الاستهلاك، فإن الاستجابة المجتمعية كانت محدودة في البداية. ومع تفاقم الأزمة، شددت السلطات القيود في يناير 2018، وطالبت السكان بألا يتجاوز استهلاك الفرد 50 لترًا يوميًّا. كما حذرت من أن عدم الالتزام بهذه الحدود سيؤدي إلى تفعيل سيناريو “اليوم صفر”؛ حيث يتم فرض حد أقصى للاستهلاك لا يتجاوز 25 لترًا يوميًّا للفرد، وهو مستوى يقل كثيرًا عن متوسط المناطق الحضرية المعتادة.
وفي هذا الإطار، حققت كيب تاون قبل الأزمة إنجازات ملموسة في خفض معدلات الاستهلاك وتقليل الفاقد من المياه، وحازت جوائز دولية تقديرًا لكفاءة إدارتها للموارد المائية، إلا أن تسارع آثار تغير المناخ، الناتج عن الارتفاع الكبير في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات الدفيئة المرتبطة بالأنشطة البشرية مثل حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، أدى إلى تغير أنماط الطقس بوتيرة سريعة. وقد أدرك مسؤولو المدينة أن الجمع بين النمو السكاني وازدياد فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار الشتوية يفرض تبني استراتيجيات أكثر صرامة وشمولًا لإدارة المياه.
ثالثًا: نجاح إدارة الأزمة في كيب تاون
بفضل الإجراءات الصارمة التي طُبقت، جرى تأجيل موعد “اليوم صفر” من مطلع أبريل إلى مايو 2018، ثم إلى أجل غير مسمى. وأسهمت هذه السياسات في خفض الطلب على المياه بنحو 30%، لا سيما من خلال استهداف أنماط الاستهلاك المرتفعة لدى الطبقة المتوسطة، عبر تقليل تدفق المياه إلى المنازل، وإغلاق بعض الصنابير العامة، وتركيب أجهزة لإدارة الاستهلاك لدى المستخدمين ذوي الكثافة العالية. وكان الهدف النهائي من هذه التدابير ترسيخ وعي طويل الأمد لدى سكان المدينة بأهمية الاستخدام الرشيد للمياه.
وإلى جانب إدارة الطلب، لجأت كيب تاون خلال الأزمة إلى البحث عن مصادر بديلة للمياه، من بينها تحلية مياه البحر. غير أن هذا الخيار اتسم بارتفاع تكلفته الاقتصادية، وأثار مخاوف بيئية تتعلق بتأثيراته على النظم الساحلية، فضلًا عن كونه حلًّا مؤقتًا لا يعالج جذور المشكلة. وبناءً عليه، كشفت أزمة كيب تاون عن الحاجة إلى مقاربة متكاملة للأمن المائي في المناطق الحضرية، تجمع بين التكيف المناخي، والحوكمة الرشيدة، وتغيير أنماط الاستهلاك على المدى الطويل.
تُظهر الخبرات الدولية أن أساليب الإدارة التقليدية للموارد المائية، التي تركز أساسًا على زيادة إمدادات المياه وتلبية الطلب القطاعي بصورة منفصلة، لم تعد قادرة على الاستجابة للتحديات المعقدة المرتبطة بندرة المياه وتدهور نوعيتها وتزايد الضغوط السكانية والاقتصادية؛ إذ تتجاهل هذه المقاربات في الغالب الأبعاد الاجتماعية والبيئية والمناخية، كما تغفل الترابط الوثيق بين القطاعات المختلفة المستفيدة من المياه، مثل الزراعة والطاقة والصناعة والبيئة، بما يؤدي إلى تعارض المصالح، وضعف كفاءة الاستخدام، وارتفاع مخاطر الاستنزاف والتلوث.
وفي المقابل، تقوم الإدارة المتكاملة للموارد المائية على نهج شامل يهدف إلى تحقيق توازن بين مختلف استخدامات المياه، من خلال التنسيق بين القطاعات، وإشراك جميع أصحاب المصلحة، ودمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية والاقتصادية في عملية صنع القرار. ويستند هذا النهج إلى اعتبار المياه موردًا محدودًا وعابرًا للقطاعات، يتطلب تخطيطًا تشاركيًّا قائمًا على البيانات، وحوكمة فعالة تضمن الاستخدام الرشيد والاستدامة طويلة الأجل للموارد المائية.
وتعد الإدارة المتكاملة للموارد المائية إحدى الركائز الأساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف السادس المعني بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها على نحو مستدام. ويسهم تبني هذا النهج في دعم حماية النظم البيئية المرتبطة بالمياه وضمان استدامتها في مواجهة الضغوط المتزايدة. كما تكتسب الإدارة المتكاملة أهمية خاصة في سياق التحديات المرتبطة بشح المياه وتغير المناخ، حيث تُمكّن من تحسين كفاءة توزيع المياه واستخدامها، والحد من الفاقد، والحفاظ على جودة الموارد المائية، ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر. فضلًا عن ذلك، تُسهم في تعزيز العدالة في توزيع الموارد المائية، وتقليل احتمالات النزاع حول مصادر المياه المشتركة، بما يضمن حقوق الأجيال الحالية والمستقبلية في الوصول إلى مورد مائي آمن ومستدام.
كيف يمكن إدارة الموارد المائية للمدن بصورة مستدامة؟
يمكن إدارة الموارد المائية للمدن بصورة مستدامة من خلال تبنّي نهج متكامل يجمع بين التخطيط المؤسسي، والحلول التقنية، والمشاركة المجتمعية، مع مراعاة الأبعاد البيئية والمناخية، وذلك من خلال الآتي:
1. إدارة الطلب على المياه وترشيد الاستهلاك:
تُعد إدارة الطلب على المياه إحدى الركائز الأساسية لتحقيق الاستدامة المائية في المدن، لا سيما في ظل تزايد الضغوط الناتجة عن النمو السكاني، والتوسع العمراني، وتغير المناخ. ويتطلب التعامل مع آثار نقص المياه أو الجفاف توجّهًا يركز على خفض الطلب الكلي على المياه وتعزيز كفاءة استخدامها. ويشمل ذلك تركيب تجهيزات موفرة للمياه في المرافق العامة، وفرض أو دعم استخدامها في المشروعات الخاصة، بما يسهم في تقليل الاستهلاك دون المساس بجودة الخدمات المقدمة.
كما تمثل إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة لأغراض غير الشرب، مثل ري المساحات الخضراء أو تنظيف المراحيض، أداة فعالة لتقليل الضغط على مصادر المياه العذبة. إلى جانب الحد من الفاقد عبر الكشف عن تسربات الأنابيب وتحسين كفاءة أنظمة الري من خلال مراقبة ضغط المياه والتحكم فيه.
2. مراقبة استخدام المياه وتنظيمها مؤسسيًّا:
تمثل مراقبة استخدام المياه أداة مركزية لضمان الاستهلاك المستدام؛ إذ تتيح البيانات الدقيقة حول الكميات المستخدمة وجودة المياه إمكانية تعديل السياسات وتكييف أنماط الإدارة وفقًا للاحتياجات