العلم قبل السلطة: لماذا بدأ سليمان بالمعرفة؟

هل القوة تصنع الدولة… أم أن المعرفة هي التي تصنع القوة؟

 

بروفسور طارق الصادق عبد السلام 

إذا أردنا أن نلخص أزمة كثير من الدول المعاصرة في كلمة واحدة، فقد تكون هذه الكلمة هي: اختلال الأولويات.
فكم من دولة امتلكت الجيوش، والأموال، وأجهزة الأمن، لكنها عجزت عن بناء نهضة مستقرة. وكم من حركة سياسية اعتقدت أن الوصول إلى السلطة هو بداية الإصلاح، فإذا بها تكتشف أن السلطة نفسها تحتاج إلى ما هو أسبق منها.
ومن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، تكشف سورة النمل عن قانون بالغ العمق؛ إذ إنها حين تعرض نموذج الدولة في عهد سليمان عليه السلام، لا تبدأ بالقوة، ولا بالجيش، ولا بالملك، وإنما تبدأ بالعلم.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾
وهذه ليست مقدمة عابرة، وإنما مفتاح لفهم البناء كله.
فالقرآن يريد أن يقرر أن العلم هو الأصل، والسلطة فرع عنه. وأن المعرفة ليست أداة مساعدة للحاكم، بل هي الشرط الذي يمنح السلطة مشروعيتها وحسن توجيهها.
ولهذا لم يكن علم سليمان علمًا نظريًا معزولًا، وإنما معرفة قادرة على إدارة الواقع.
فهو يفهم لغة الطير.
ويعرف طبيعة الجند.
ويحسن إدارة المعلومات.
ويقرأ الواقع السياسي للدول الأخرى.
ويوازن بين القوة والدعوة.
ويقدر نتائج قراراته قبل اتخاذها.
إنها صورة متكاملة للقيادة التي يقودها العلم، لا الانفعال، ولا الغرور، ولا ردود الأفعال.
ولعل أخطر ما تكشفه سورة النمل أن القوة نفسها تصبح مصدر خطر إذا انفصلت عن المعرفة.
فالقوة قد تحسم معركة، لكنها لا تبني حضارة.
والجيش قد يحمي الحدود، لكنه لا يصنع التنمية.
والقانون قد يردع المخالف، لكنه لا ينتج الوعي.
أما العلم، فهو الذي يمنح كل هذه الأدوات اتجاهها الصحيح.
ولهذا كان أول ما وصف الله به سليمان هو العلم، لا الملك.
ولو تأملنا كثيرًا من تجارب العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، لوجدنا أن جزءًا كبيرًا من الإخفاقات لم يكن ناتجًا عن ضعف النيات، وإنما عن ضعف البناء المعرفي الذي سبق إدارة الدولة.
وقد كشفت التجربة السودانية، كما كشفت تجارب أخرى، أن الحماسة وحدها لا تكفي، وأن الالتزام الديني وحده لا يغني عن بناء الخبرة، والمؤسسات، ومراكز الدراسات، وآليات التخطيط، ونظم المعلومات. فالدولة لا تُدار بالشعارات، وإنما بالعلم الذي يحول المبادئ إلى سياسات، والقيم إلى مؤسسات، والغايات إلى برامج قابلة للتنفيذ.
ولهذا فإن القرآن لا يفصل بين العلم والإيمان، ولا بين المعرفة والأخلاق؛ لأن المعرفة التي لا يهديها الوحي قد تتحول إلى أداة هيمنة، كما أن التدين الذي لا يسنده العلم قد يتحول إلى اجتهادات مرتبكة تضعف المشروع الذي تريد خدمته.
ومن هنا تظهر إحدى أهم خصائص النموذج القرآني؛ فهو لا يكتفي بتربية الإنسان الصالح، وإنما يعمل على إعداد الإنسان الكفء أيضًا. فالرسالة تحتاج إلى الإخلاص، لكنها تحتاج كذلك إلى المعرفة والخبرة والإتقان.
ولذلك فإن أول إصلاح ينبغي أن تبدأ به أي أمة تريد النهوض ليس تغيير الحكومات فحسب، بل بناء العقل الذي سيدير الحكومات.
وهذا ما يفسر أن الوحي بدأ بكلمة:
﴿اقْرَأْ﴾
ولم يبدأ بكلمة: احكم.
فالقراءة تسبق القيادة، والمعرفة تسبق القرار، والعلم يسبق التمكين.
ومن هنا يمكن استخلاص أحد القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:
كل سلطة تتقدم فيها القوة على العلم، تبدأ عوامل ضعفها من داخلها، وكل مشروع يجعل بناء المعرفة سابقًا لبناء السلطة، يكون أقرب إلى السنن التي أقام الله عليها العمران.
إن أزمة الأمة ليست في قلة الموارد، ولا في ضعف الطاقات البشرية، وإنما في تقديم نتائج النهضة على مقدماتها؛ فالقرآن يعلمنا أن بناء الدولة يبدأ ببناء المعرفة، وأن التمكين الحقيقي لا يولد من فوهة القوة، وإنما من نور العلم الذي يهدي القوة إلى غاياتها.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف البنية المعرفية للقرآن الكريم، واستخراج السنن التي تحكم بناء الإنسان والدولة والحضارة، لتتحول القراءة القرآنية من تفسير للآيات إلى تأسيس لنظرية في العمران والاستخلاف.

Comments (0)
Add Comment