الطيب صالح …… العودة للجذور (01)

“1”
العودة للجذور

عُدْتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنتُ خلالها أتعلم في أوروبا. تعلمتُ الكثير، وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت، وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم.

فرحوا بِي، وضجّوا حولي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مَقْرُورٌ طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدتُه زماناً في بلاد «تموت من البرد حيتانها». تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم. من كثرة ما فكرتُ فيهم في الغيبة، قام بيني وبينهم شيء مثل الضباب أول وهلة رأيتهم، لكن الضباب راح.
​واستيقظتُ ثاني يوم وصولي، في فراشي الذي أعرفه، في الغرفة التي تشهد جدرانها على تُرَّهَاتِ حياتي في طفولتها ومطلع شبابها. وأرخيتُ أذني للريح. ذاك لعمري صوت أعرفه، له في بلدنا وَشْوَشَةٌ مرحة. صوت الريح وهي تمر بالنخل غيره وهي تمر بحقول القمح. وسمعتُ هديل القُمْرِيِّ، ونظرتُ خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمتُ أن الحياة ما تزال بخير. أنظر إلى جذعها القوي المعتدل، وإلى عروقها الضاربة في الأرض، وإلى الجَرِيدِ الأخضر المتهدل فوق قامتها، فأحس بالطمأنينة. أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور، له هدف.
​وجاءت أمي تحمل الشاي. وفرغ أبي من صلاته وأوراده فجاء، وجاءت أختي، وجاء أخواي، وجلسنا نشرب الشاي ونتحدث، شأننا منذ تفتحت عيناي على الحياة. نعم، الحياة طيبة، والدنيا كحالها لم تتغير.
​فجأة تذكرتُ وجهاً رأيته بين المستقبلين لم أعرفه. سألتهم عنه، ووصفته لهم: رجل رَبْعَةُ القامة، في نحو الخمسين أو يزيد قليلاً، شعر رأسه كثيف مبيض، ليست له لحية، وشاربه أصغر قليلاً من شوارب الرجال في البلد. رجل وسيم في حاله.
​وقال أبي: «هذا مصطفى».
مصطفى من؟ هل هو أحد المغتربين من أبناء البلد عاد؟
وقال أبي إن مصطفى ليس من أهل البلد، لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام، اشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج بنت محمود. رجل في حاله، لا يعلمون عنه الكثير.
​لا أعلم تماماً ماذا أثار فضولي، لكنني تذكرتُ أنه يوم وصولي كان صامتاً. كل أحد سألني وسألته. سألوني عن أوروبا: هل الناس مثلنا أم يختلفون عنا؟ هل المعيشة غالية أم رخيصة؟
ماذا يفعل الناس في الشتاء؟
يقولون إن النساء سَافِرَاتٌ يرقصن علانية مع الرجال. وسألني وِدّ الرَّيِّس: «هل صحيح أنهم لا يتزوجون ولكن الرجل منهم يعيش مع المرأة بالحرام؟»
​أَسئلة كثيرة رددتُ عليها حسب علمي. دهشوا حين قلتُ لهم إنَّ الأوربيين -إذا استثنينا فوارق ضئيلة- مثلهم تماماً؛ يتزوجون ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول، ولهم أخلاق حسنة، وهم عموماً مزارعون.
​سألني محجوب: «هل هم مزارعون؟» وقلتُ له: «نعم، بينهم مزارعون وبينهم كل شيء. منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم، مثلنا تماماً». وآثرتُ ألا أقول بقية ما خطر على بالي: «مثلنا تماماً… يولدون ويموتون، وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحملون أحلاماً بعضها يصدق وبعضها يخيب. يخافون من المجهول، وينشدون الحب، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد. فيهم أقوياء، وبينهم مستضعفون؛ بعضهم أعطته الحياة أكثر مما يستحق، وبعضهم حرمته الحياة. لكن الفروق تضيق، وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء». لم أقل لمحجوب هذا، وليتني قلت، فقد كان ذكياً. خفتُ -من غروري- ألا يفهم.
​وقالت بِتّ مَجذوب ضاحكة: «خِفنا أن تعود إلينا بنصرانية غَلْفَاء».
لكن مصطفى لم يقل شيئاً. ظل يستمع في صمت، يبتسم أحياناً ابتسامة أذكر الآن أنها غامضة، مثل شخص يحدث نفسه.
​نسيتُ مصطفى بعد ذلك، فقد بدأتُ أعيد صلتي بالناس والأشياء في القرية. كنتُ سعيداً تلك الأيام، كطفل يرى وجهه في المرآة لأول مرة. وكانت أمي لي بالمرصاد، تذكرني بمن مات؛ لأذهب وأعزّي، وتذكرني بمن تزوج؛ لأذهب وأهنئ. جبتُ البلد طولاً وعرضاً معزياً ومهنئاً.
​يوماً ذهبتُ إلى مكاني الأثير، عند جذع شجرة طَلَح على ضفة النهر. كم عدد الساعات التي قضيتها في طفولتي تحت تلك الشجرة أرمي الحجارة في النهر وأحلم، ويشرد خيالي في الأفق البعيد؟ أسمع أنين السواقي على النهر، وتصايح الناس في الحقول، وخوار ثور أو نهيق حمار. كان الحظ يسعدني أحياناً، فتمر الباخرة أمامي صاعدة أو نازلة.
​من مكاني تحت الشجرة، رأيتُ البلد تتغير في بطء. راحت السواقي، وقامت على ضفة النيل طُلُمبات لضخ الماء، كل مكنة تؤدي عمل مائة. ورأيتُ الضفة تتقهقر عاماً بعد عام أمام لطمات الماء، وفي جانب آخر يتقهقر الماء أمامها. وكانت تخطر في ذهني أحياناً أفكار غريبة؛ كنتُ أفكر، وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان ويتسع في مكان، أن ذلك شأن الحياة؛ تعطي بيد وتأخذ باليد الأخرى. لكن لعلني أدركتُ ذلك فيما بعد.
​أنا الآن، على أي حال، أدرك هذه الحكمة، لكن بذهني فقط، إذ إن عضلاتي تحت جلدي مرنة مطواعة وقلبي متفائل. إني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة، أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لا بد أن تُزار، ثمة ثمار يجب أن تُقطف، كتب كثيرة تُقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء.
​وأنظر إلى النهر؛ بدأ ماؤه يَزبد بالطَّمْي -لا بد أن المطر هطل في هضاب الحبشة- وإلى الرجال قاماتهم مُتَّكِئَة على المحاريث، أو منحنية على المعاول. وتمتلئ عيناي بالحقول المنبسطة كراحة اليد إلى طرف الصحراء حيث تقوم البيوت. أسمع طائراً يغرد، أو كلباً يَنْبَح، أو صوت فأس في الحطب؛ وأحس بالاستقرار، أحس أنني مهم، وأنني مستمر، ومتكامل. لا… لستُ أنا الحجر يُلقى في الماء، لكنني البذرة تُبذر في الحقل.
​وأذهب إلى جدي، فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عاماً، قبل خمسين عاماً، لا بل ثمانين، فيقوى إحساسي بالأمن. كنتُ أحب جدي، ويبدو أنه كان يؤثرني. ولعل أحد أسباب صداقتي معه، أنني كانت منذ صغري تشحذ خيالي حكايات الماضي، وكان جدي يحب أن يحكي. ولما سافرتُ خفتُ أن يموت في غيبتي. وكنتُ حين يلم بي الحنين إلى أهلي، أراه في منامي. قلتُ له ذلك، فضحك وقال: «حدثني عَرَّاف -هكذا طريقة جدي في الكلام- وأنا شاب، إنني إذا جاوزتُ عمر النبوة -يعني الستين- فإنني سأصل المائة». حسبنا عمره، أنا وهو، فوجدنا أنه بقي له نحو من اثني عشر عاماً.
​كان جدي يحدثني عن حاكم غاشم، حكم ذلك الإقليم. ولستُ أعلم ما الذي دفع بمصطفى إلى ذهني، لكنني تذكرته بغتة، فقلتُ أسأل عنه جدي، فهو عليم بحسب كل أحد في البلد ونسبه، بل بأنساب مبعثرة قِبْلي وبَحْري، أعلى النهر وأسفله. لكن جدي هز رأسه وقال إنه لا يعلم عنه سوى أنه من نواحي الخرطوم، وأنه جاء إلى البلد منذ نحو خمسة أعوام، واشترى أرضاً تفرق وارثوها، ولم تَبقَ منهم إلا امرأة؛ فأغراها الرجل بالمال واشتراها منها، ثم قبل أربعة أعوام زوَّجه محمود إحدى بناته. قلتُ لجدي: «أي بناته؟» فقال: «أظنها حُسنة». وهز جدي رأسه وقال: «تلك قبيلة لا يبالون لمن يزوجون بناتهم». لكنه أردف، كأنه يستدرك، أن مصطفى طول إقامته في البلد، لم يبدُ منه شيء منفر، وأنه يحضر صلاة الجمعة في المسجد بانتظام، وأنه يسارع بِذِرَاعِه وقَدَحِه في الأفراح والأتراح.
​بعد هذا بيومين، كنتُ وحدي أقرأ وقت القَيْلُولة. كانت أمي وأختي تَلْغَطان مع بعض النسوة في أقصى البيت، وكان أبي نائماً، وقد خرج أخواي لشأن ما؛ فخلوتُ بنفسي. سمعتُ نَحْنَحَة خارج البيت، فقمتُ فإذا هو مصطفى، يحمل بطيخة كبيرة، وزَنْبِيلاً مملوءاً برتقالاً. ولعله رأى الدهشة على وجهي، فقال: «أرجو ألا أكون أيقظتك من نومك، لكنني قلتُ أجيئك بعينة من ثمر الحقل تذوقه. كذلك أحب أن أتعرف إليك. وقت الظهيرة ليس وقت زيارة.. اعذرني».
​لم يغب عني أدبه الجم، فأهل بلدنا لا يبالون بعبارات المجاملة؛ يدخلون في الموضوع دفعة واحدة، يزورونك ظهراً كان أو عصراً، لا يهمهم أن يقدموا المعاذير. رددتُ الود بالود، ثم جيء بالشاي..

Comments (0)
Add Comment