السودان … يا غربان الموت أرحلوا
الأحد ، 8 سبتمبر 2024
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
سعداء هم الذين رحلوا قبل أن يعيشوا المأساه التي تنهش الوطن … سعداء لأنهم لم يعيشوا الذلة والهوان الذي يغطي وجه الحياة نتيجة لهذه الحرب العبثية واللعينة التي تهدف في المبتدأ والمنتهى الوصول إلى مقاعد السلطة فوق جماجم الفقراء والمغلوبين والمشردين في المنافي داخل الوطن وعبر الحدود … السودان لم يعرف في تاريخه الحديث مثل هذه الفاجعة التي ألمت به، والتي أصبحت وصمة عار على جبينه … وحتى الطبيعة لم ترحم المعذبين في القرى والأرياف وفي الأصقاع البعيدة والقريبة فجاءت الفيضانات والسيول لتكمل ما تبقى.
المحنة أكبر من احتمال الإنسان السوداني الذي أصبح ضحية للحرب الإعلامية والإلكترونية وسط بحر من الأكاذيب والمغالطات التي أصبحت ضحيتها الحقيقة التي كان من الممكن أن تزرع الطمأنينة في النفوس والأمن والإستقرار على أرض الواقع … يبدو أن شهوة السلطة أعمت الجميع وأصبح الوطن آخر اهتمامات القابضين على رسن الوطن والجالسين على هامته.
انسان السودان يعاني ومساحة الأكاذيب تتسع والغموض يكتنف أفق حياة الجميع … “لعبة الأمم” والإستقواء بالخارج لن توجد الترياق الذي يشفي الجروح السودانية وإنما سيقود إلى التدويل نتيجة لتقاطع المصالح الدولية وتزايد مطامع الدول في وطن ينزف دون أن تتوفر له “مضادات حيوية” تقيه الأمراض والإلتهابات والأوجاع المزمنة بعد أن انهار الجدار الصحي وغابت الدولة وأصبحت السفن الغارقة بعيدة عن شواطئ والأمان.
ما الذي يمكن أن نقوله سوى أن الذين رحلوا قبل وقوع الفاجعة أسعد منا، فهم على أقل تقدير أصبحوا إلى جوار رب كريم يحفظهم برعايته أما الأحياء فلا بواكي عليهم وكأنهم جزء من سقط المتاع وحتى المساعدات الإنسانية من الدول الشقيقة والصديقة أصبحت سلعاً مطروحة في الأسواق ليتكسب منها تجار الحروب والقوارض البشرية التي نمت في أفق حياتنا خلال سنوات تطاولت من العبث المطلق والسلطة الكاملة وهو ما قادنا إلى التيه والهوان والضياع.
الآن وطن بعظمة السودان أصبح وبيد بنيه عرضة للتمزق والتشرذم والضياع وسيبقى السودانيون يحلمون بعودة الوطن إليهم أو عودتهم إلى الوطن حتى ولو حملوا على توابيت من تلك البلاد البعيدة … هل هناك من يستشعر حجم المأساه وضخامة الكارثة التي تحيط بعنق الوطن مثل الأنشوطة؟ ونعيد التساؤل: من الذي قادنا إلى هذه المحنة؟ ومن المسؤول عن عذابات الملايين والذين يعيشون أوضاعاً مأساوية وكارثية بكل المقاييس داخل السودان وعبر الحدود والبحار والمحيطات؟.
محمد سليمان مات في الدوحة وأحمد حاج محمد دفن في عطبرة وعبدالله جلاب قبر في اريزونا والماحي اسماعيل وري الثرى في برلين وقبلهم السفير أحمد عبدالوهاب الذي رحل عنا بعيداً في استراليا … كل هؤلاء وغيرهم العشرات والمئات رحلوا دون أن يبكي عليهم أحد وأصبحت مصر بجدارة مقبرة للسودانيين الذين يحملون أكفانهم مروراً بكندا والولايات المتحدة الأمريكية والعديد من المدن الخليجية والأوروبية.
أليس هناك في أفق حياتنا عاقل واحد يدعوا إلى التوحد في ظل هذه الفوضى العارمة ويشجع على الحوار بين الفرقاء، والتشظي ليس هو الخلاص ولابد من أن تلتقي كل قبائل السودان وأهله نحو كلمة سواء، ولابد لعقلاء الوطن أن ينهضوا للقيام بمسؤولياتهم الوطنية لإطفاء نيران هذه الحرب اللعينة وجعل السودان مكاناً ممكناً للحياة الكريمة التي تليق به وبأهله عوضاً عن هذه الفوضى.
هل بمقدورنا أن نضمد الجراح بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها؟ أم أننا لن نجد وطناً لنبكي على أطلاله أو نعيد بناؤه من جديد؟ … الحرب ليست نزهة وها نحن الذين زرعنا الكراهية والعنصرية وازكينا روح القبلية والمناطقية نحصد العذابات ويدفع الوطن أثماناً غالية ودماء غزيرة، وأحباباً كنا نتمنى أن نلتقيهم في منتصف الطريق بين الغربة والشتات وبين الوطن ودفء أحضانه والعودة إلى بيوتهم.
سأواصل القول والصراخ بأعلى صوتي “لا للحرب” لأن الخاسر الأول والأخير هو الشعب السوداني وما عايشناه يشكل رسالة واضحة وجلية … وسأدعوا إلى وحدة كل القوى الوطنية السودانية وإتاحة الفرصة لشباب السودان ليقودوا دفة الوطن وأن ترحل كل الوجوه التي لم تورثنا سوى الموت والفجيعة … وأقول لكم ارحلوا يا غربان الموت واكتفوا بما نهبتم من خيرات هذا الوطن المكلوم.