ثانيًا: دول إفريقيا جنوب الصحراء
شهدت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تأثيرًا متزايدًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تم توظيفها في حلول مبتكرة تلبي الاحتياجات المحلية. وساهمت مجموعة البنك الدولي في هذا التوجه من خلال دعم عدد من المشاريع الحيوية، ومن أبرز هذه المبادرات منصة “هالو تراكتور Hello Tractor “، التي تتيح ربط صغار المزارعين بمالكي الجرارات باستخدام الذكاء الاصطناعي لتسهيل العمليات الزراعية. تعتمد المنصة على تقنيات التعلم الآلي لمتابعة استخدام الجرارات، والتنبؤ بالأحوال الجوية، وتوفير خدمات المراسلة النصية في المناطق التي تفتقر للاتصال الجيد بالإنترنت، ومنذ إطلاقها في عام 2014، ساهمت “هالو تراكتور” في رقمنة نحو 3.5 ملايين فدان من الأراضي الزراعية، وأسفرت عن زيادة إنتاج الغذاء بما يعادل 5 ملايين طن متري، إلى جانب خلق أكثر من 6000 فرصة عمل.
ومن أبرز الدول التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الزراعة في إفريقيا جنوب الصحراء:-
كينيا: تسجل الزراعة الذكية في كينيا، تطورًا ملحوظًا بفضل إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة صغار المزارعين، من أبرز هذه الابتكارات تطبيق Nuru، وهو أداة ذكية طورت بالتعاون بين جامعة ولاية بنسلفانيا ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) يساعد التطبيق المزارعين على تشخيص أمراض النباتات عبر كاميرا الهاتف؛ إذ يكفي تمرير الهاتف فوق ورقة من المحصول ليقوم التطبيق فورًا بتحديد الإصابة وتقديم نصائح علاجية فورية. لقد شكل هذا الابتكار نقلة نوعية، حيث وفر معلومات دقيقة وسريعة وسهلة الاستخدام، ما عزز قدرة المزارعين على الحفاظ على صحة محاصيلهم وزيادة الإنتاجية.
استطاعت كينيا إدخال مشروع تحليلات التكنولوجيا الزراعية، والذي يهدف إلى استخدام تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي لمساعدة المزارعين على الكشف المبكر عن الآفات والأمراض، وتحديد الكميات الدقيقة من المدخلات الزراعية كالمبيدات والأسمدة ومياه الري، وبالرغم من التحديات التي واجهت المشروع، مثل ارتفاع التكاليف الأولية وضعف البنية التحتية الرقمية في المناطق الريفية، فإن المبادرة نجحت في تسجيل أكثر من 3880 مزارعًا في عدة مقاطعات كينية، وحازت اهتمامًا محليًّا ودوليًّا.
جنوب إفريقيا: تقود شركة Aerobotics، في جنوب إفريقيا، ومقرها كيب تاون، ثورة في مجال الزراعة الذكية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار. من خلال منصتها الرقمية “Aero view”، توفر الشركة للمزارعين رؤى دقيقة ومستندة إلى تحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة، مما يُمكّنهم من رصد تفشي الآفات والأمراض، وتشخيص نقص المغذيات أو المياه في المحاصيل، خصوصًا في مزارع الأشجار والكروم.
تعتمد المنصة على تقنيات التعلم الآلي لتقديم بيانات دقيقة تُساعد المزارعين على اتخاذ قرارات مستنيرة وموجهة، ما يساهم في خفض تكاليف المبيدات والأسمدة وتحسين إدارة الموارد المائية. وقد ساعدت هذه التكنولوجيا المتقدمة آلاف المزارعين محليًّا وعالميًّا على تعزيز إنتاجيتهم الزراعية، وخفض الهدر، وتحقيق عوائد اقتصادية أعلى، إلى جانب دعم الاستدامة البيئية في الأنظمة الزراعية.
الكاميرون: تم تطوير تطبيق جوال مدعوم بالذكاء الاصطناعي في الكاميرون، لمساعدة المزارعين على اكتشاف أمراض المحاصيل مبكرًا، يعتمد التطبيق على تحميل صور النباتات المصابة للحصول على تشخيص فوري وتوصيات علاجية، ويتميز التطبيق بقدرته على العمل دون اتصال بالإنترنت، مما يجعله مناسبًا للمناطق ذات البنية التحتية الرقمية المحدودة، كما يساهم في تقليل خسائر المحاصيل وتحسين الإنتاجية.
غانا: تم تطوير مجموعات اختبار تربة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل عينات التربة، وتقديم توصيات دقيقة حول نوع وكميات الأسمدة المناسبة لكل حالة، تُمكّن هذه التقنية المزارعين من استخدام المدخلات الزراعية بشكل أكثر فعالية، ما يرفع كفاءة الزراعة، ويقلل من الهدر.
تنزانيا: تم اعتماد منصات ذكاء اصطناعي تربط المزارعين مباشرة بالمشترين، ما ساهم في تجاوز دور الوسطاء التقليديين وضمان أسعار عادلة للمزارعين. تعزز هذه المنصات من الشفافية في سلاسل التوريد، وتوفر حوافز اقتصادية أكبر لصغار المنتجين.
يُظهر تزايد اعتماد الدول الإفريقية على تقنيات الذكاء الاصطناعي في الزراعة تحولًا نوعيًّا في منهجية إدارة هذا القطاع الحيوي، بما يعكس وعيًا متناميًا بأهمية الابتكار الرقمي في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، إلا أن فرص تعزيز الإنتاج الزراعي وتحسين سبل العيش للمزارعين، تظل مرهونة بتوسيع نطاق هذه المبادرات، وضمان شموليتها، وبناء قدرات وطنية قادرة على تطوير وتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الزراعة. |