بقلم/ د. ست البنات حسن أحمد
لم يعد الوعي الإنساني وليد الندوات الفكرية، أو نشرات الأخبار الراتبة، أو صفحات الصحف المطبوعة؛ بل أضحى يُصنع ويعاد تشكيله داخل فضاء افتراضي واسع لا ينام.
فمع تسارع وتيرة الثورة التكنولوجية، فرضت “البيئة الرقمية” شروطها الجديدة على مجتمعاتنا، وغدت المحرك الأساسي لأفكار وتوجهات جيل الشباب، الذي وجد نفسه أمام سيل متدفق من المعلومات يأتيه عبر منصات وتطبيقات لا تتجاوز مدة المادة فيها الدقيقة الواحدة.
وفي السياق السوداني المعاصر، يتجاوز هذا التحول الرقمي مجرد كونه مواكبة لتقنيات العصر، ليصبح أداة حاسمة في توجيه الرأي العام، وصياغة المفاهيم، وإعادة بناء الوعي الجماعي للشباب تجاه قضايا الوطن المصيرية.
منصات الفيديو القصيرة: غرف الأخبار البديلة
ضمن هذه البيئة الرقمية المعقدة، برزت منصات الفيديو الإخبارية القصيرة (مثل تيك توك، وريلز، وشورتس) كقنوات بديلة ومفضلة للحصول على المعلومة. إن هجرة الشباب من الإعلام التقليدي نحو هذه المنصات تحكمها دوافع واضحة؛ فمنها دوافع نفعية تبحث عن الاختصار والسرعة لتلائم إيقاع الحياة المتسارع ومتابعة الأحداث العاجلة في السودان بلمسة إصبع، ومنها دوافع سلوكية ترتبط بالتفاعل والمشاركة الفورية للمحتوى.
لقد تحولت خوارزميات هذه المنصات إلى “حارس بوابة” جديد، يدرس اهتمامات الشاب ويقدم له محتوى مخصصاً يلائم توجهاته، مما يجعل عملية صناعة الوعي عملية تفاعلية بامتياز، تختلف كلياً عن التلقي السلبي الذي كان سائداً في العقود الماضية.
تشكيل الوعي بين السياسة والاجتماع
إن هذا التدفق البصري الكثيف يترك بصماته واضحة على طبيعة الوعي الشبابي في اتجاهين رئيسيين :
الوعي السياسي:
أتاحت البيئة الرقمية مساحات حرة لتفكيك الخطاب السياسي، وتقديم قراءات متعددة ومستقلة للأوضاع الراهنة في السودان، مما ساهم في رفع مستوى النقاش العام حول قيم المواطنة، وبناء الدولة، ومستقبل السلام.
الوعي الاجتماعي: تجلى دور البيئة الرقمية في تعزيز قيم التكافل الاجتماعي، وتوثيق المبادرات الإنسانية، وحملات دعم النازحين والمتأثرين بالأزمات. كما أصبحت خط الدفاع الأول للشباب لمحاصرة خطابات الكراهية، وتفنيد الشائعات التي تهدد النسيج الاجتماعي.
تحديات الوعي الرشيد في الفضاء الافتراضي
رغم الآفاق الواسعة التي تتيحها البيئة الرقمية للشباب السوداني من حيث كسر احتكار المعلومة وسرعة الوصول إليها، إلا أنها تضع وعيهم أمام اختبار حقيقي. فالإفراط في اختزال القضايا المعقدة في مقاطع مصورة قصيرة جداً قد يهدد بـ “سطحية الفهم”، أو يسهل الانقياد وراء العواطف المشحونة والمحتويات المضللة التي تبثها بعض الحسابات غير الموثوقة.
لذا، فإن التحدي الأكبر اليوم لم يعد في كيفية الوصول إلى المعلومة، بل في بناء “وعي رقمي ناقد” يمتلك القدرة على الفرز، والتمحيص، والتحقق من مصداقية ما يُعرض على الشاشات الذكية.
إن قراءة تفاعل الشباب السوداني مع البيئة الرقمية وكيفية صناعة وعيهم من خلالها لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة لفهم حاضر المجتمع ومستقبله. فالشباب اليوم لم يعودوا مستهلكين للمحتوى فحسب، بل هم صناعٌ له وموجهون لدفّته، والشاشات التي بين أيديهم اليوم هي التي تصوغ بوضوح ملامح المشهد السوداني لليوم والغد .