2- التحولات العالمية وأثرها في هيكل المهارات:
تشكل فجوات المهارات تحديًا جوهريًا أمام نمو الاقتصادات والأسواق الحديثة، وقد تصل آثارها الاقتصادية والاجتماعية إلى تريليونات الدولارات إذا لم تُعالج بشكل عاجل، وتنعكس هذه الفجوات على الأفراد عبر انخفاض الدخل مدى الحياة، وزيادة عدم اليقين الوظيفي، والضغوط النفسية المرتبطة بعدم مواكبة متطلبات سوق العمل، وقد سرّعت جائحة كوفيد-19 اضطراب المهارات من خلال تعميق الرقمنة والعمل عن بُعد، إلا أن التقديرات تشير إلى تباطؤ نسبي في معدل اضطراب المهارات، مع تراجع المهارات المتوقع تغيرها من 44% عام 2023 إلى 39% بحلول 2030، وارتفاع مشاركة العاملين في برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل من 41% إلى 50%.
رغم ذلك، أوضح تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) صادر عام 2023، أن ما يقرب من ثلث العاملين في دول المنظمة ليسوا في وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم أو مهاراتهم أو مجالات دراستهم، بما يعكس حجم الفجوة بين المهارات المتاحة والمهارات المطلوبة في سوق العمل، ويُبرز أهمية إعادة التخصيص المهني والتعلم المستمر.
وفي هذا السياق، أشار البنك الدولي، إلى أنه لا يزال نحو 750 مليون شخص بالغ لا يجيدون القراءة والكتابة، ويعاني حوالي 450 مليون شاب من العزلة الاقتصادية نتيجة نقص المهارات، بينما يحتاج أكثر من 2.1 مليار شخص إلى برامج تعليمية تعويضية لتطوير المهارات الأساسية والمعرفية والاجتماعية والعاطفية.
ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة Pearson، تُقدّر الخسائر السنوية في الولايات المتحدة الأمريكية الناتجة عن فجوات الانتقال التعليمي والمهني بنحو 1.1 تريليون دولار، مع الجزء الأكبر نتيجة اضطرابات الأتمتة التي تهدد دخولًا تقدر بـنحو 694 مليار دولار.
كما أوضح البنك الدولي، أن نحو 23% من الشركات تواجه صعوبات كبيرة بسبب نقص المهارات، وتصل النسبة إلى 40–60% في بعض دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع صعوبة وضع سياسات فعالة في غياب بيانات دقيقة عن القوى العاملة.
وعليه، تعتبر فجوات المهارات العقبة الأكبر أمام التحول المؤسسي (63% من أصحاب العمل)، تليها الثقافة التنظيمية والمقاومة الداخلية (46%)، المخاوف التنظيمية (39%)، ونقص البيانات والبنية التحتية التقنية (32%)، إضافة إلى تحديات رأس المال الاستثماري وفهم الفرص.
هذا، وتختلف معدلات التعرض للتحولات بين القطاعات، حيث تتأثر قطاعات: التكنولوجيا، المعلومات والإعلام، التجزئة، الجملة، والخدمات المالية بأعلى نسب اضطراب المهارات (64%–71%)، ما يستلزم إعادة تأهيل ملايين العاملين للانتقال إلى وظائف أكثر تقدمًا بأجور أعلى، بتكاليف عالمية تُقدّر بمليارات الدولارات.
وعليه، تشهد سوق العمل تحولًا جذريًا في طبيعة المهارات المطلوبة، إذ من المتوقع أن تتغير نحو 65% من المهارات الحالية بحلول عام 2030، نتيجة الذكاء الاصطناعي المتقدم وظهور مهارات جديدة مثل؛ تصميم الاستفسارات (Prompt Engineering)، تنسيق البيانات، ومتخصصي الذكاء الاصطناعي المسؤول، بينما تظل المهارات البشرية المعقدة، مثل: التفكير النقدي، الحكم السليم، التعاطف، القدرة على التكيف، وحل المشكلات، محورية في سوق العمل المستقبلية.
المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل:
يظهر تقرير “مستقبل الوظائف 2025″، الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي، حدوث تحول جوهري في أولويات سوق العمل بحلول عام 2030، فمن المتوقع استمرار نمو أهمية المهارات الحالية وظهور مهارات جديدة، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة محاور:
-
المهارات الأسرع نموًا: تشمل المهارات التكنولوجية، مثل: الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة (87%)، الشبكات، والأمن السيبراني (70%)، إلى جانب التفكير التحليلي والإبداعي (66%)، والمرونة والتكيف (66%)، والتعلم مدى الحياة، والقيادة وإدارة المواهب، كما تشمل المهارات الناشئة مثل الرعاية البيئية، والتي يتوقع أن تزداد أهميتها مستقبليًا.
-
المهارات الأكثر استقرارًا: تشمل المهارات الإنسانية الأساسية مثل: التعاطف، الاستماع النشط، التوجه الخدمي، إدارة الموارد والعمليات، والتي تظل ضرورية رغم التحولات التكنولوجية السريعة.
-
المهارات في انخفاض نسبي: تتراجع تدريجيًا بعض المهارات التقليدية، مثل: القراءة والكتابة، الرياضيات، البراعة اليدوية، الاعتمادية، والدقة والانتباه للتفاصيل، نتيجة التحول الرقمي واعتماد الأتمتة.
الفرص الاقتصادية في سد فجوات المهارات:
تشير تقديرات منتدى الاقتصاد العالمي إلى تفاوت واضح في توقعات الشركات بشأن توافر المواهب حتى عام 2030، حيث تتوقع 29% فقط عام 2025 تحسنًا بخصوص توافر المواهب مقارنة بـ39% في 2023، بينما ترى 42% تدهورًا، وتعكس هذه الفجوات الاختلافات الديموغرافية الإقليمية؛ إذ تبدي المؤسسات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في دول مثل؛ مصر والمغرب والبحرين تفاؤلًا أكبر بشأن توافر المواهب، بنحو 39%، 38%، و31% على التوالي، في حين تواجه المؤسسات الأوروبية تحديات أعلى، كما تتباين توقعات تطوير واستبقاء المواهب بين المناطق، مع تفاؤل أكبر في شرق آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء وآسيا الوسطى، ونظرة أكثر تحفظًا في أوروبا وأمريكا الشمالية.
كما أظهرت دراسة شملت 23 دولة من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أن الزيادة المماثلة في المهارات المعرفية تؤدي إلى ارتفاع معدل النمو الاقتصادي السنوي بمقدار 1.74 نقطة مئوية، مما يعكس التأثير المباشر للمهارات في الأداء الاقتصادي الكلي.
ووفقًا للبنك الدولي، يمكن للاقتصاد العالمي أن يكسب ما يُقدر بنحو 6.5 تريليونات دولار خلال السنوات السبع المقبلة من خلال سد فجوات المهارات لدى العمال، أي ما يمثل نحو 5–6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، رغم أن معظم الدول تستثمر أقل من 0.5% من ناتجها في برامج التعلم مدى الحياة للبالغين.
ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة Pearson، فإن تقليص متوسط فترة إعادة التأهيل أو تطوير المهارات، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انخفضت هذه الفترة بنسبة 20%، يمكن أن يرفع الدخل السنوي للموظفين بنحو 139 مليار دولار، ويبرز ذلك بوضوح الأثر الاقتصادي الكبير للاستثمار في تسريع عملية اكتساب المهارات.
|