الاستثمار في رأس المال البشري …نحو اقتصاد قائم على المهارات

العدد الأسبوعي رقم 229  –  الجمعة 12 ديسمبر 2025

الاستثمار في رأس المال البشري …نحو اقتصاد قائم على المهارات

صباح الخير قراءنا الكرام،

يُعد الاستثمار في رأس المال البشري الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة وبناء القدرات الوطنية، في عالم يتجه نحو اقتصادات تقودها المعارف والتقنيات، فالإنسان، بمهاراته ومعارفه، هو المحرك الرئيس للابتكار واتخاذ القرارات الذكية، وهو القادر على توجيه التقنيات الحديثة لتعزيز التنمية والتنافسية، ومع صعود الثورة الصناعية الرابعة واعتماد الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات المميزة لتلك الثورة، أصبح تطوير العنصر البشري استثمارًا استراتيجيًا يضاعف العوائد على المدى الطويل، ويعرّف البنك الدولي رأس المال البشري بأنه مجموع المعارف والمهارات والصحة الجيدة التي يكتسبها الأفراد على مدار حياتهم.

وتفرض التحولات التكنولوجية والديموغرافية، وعدم اليقين الاقتصادي، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، التي يشهدها العالم، ضرورة تبني سياسات مرنة لتعزيز المهارات ورفع كفاءة القوى العاملة بما يلبي احتياجات سوق العمل المستقبلية، وتشير التقديرات إلى أن نحو 59% من القوى العاملة عالميًا ستحتاج إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030.

استجابةً لهذه التحديات، تبنت الدول الرائدة سياسات متقدمة لتعزيز رأس المال البشري، عبر تحديث أنظمة التعليم والتدريب وربطها بسوق العمل، وتطبيق نماذج ديناميكية لرفع المهارات وإعادة تأهيلها ضمن مسارات التعلم مدى الحياة، كما نجحت تجارب دول مثل سنغافورة والهند في تقليص فجوات المهارات من خلال أطر وطنية واضحة وشراكات فعّالة مع القطاع الخاص.

وفي هذا السياق، تعطي مصر أولوية قصوى لتعزيز رأس المال البشري كركيزة للتنمية المستدامة وإعادة تشكيل سوق العمل، عبر إصلاح التعليم، وتطوير التدريب التقني والمهني، وتمكين الشباب بالمهارات الرقمية والتقنية اللازمة للمنافسة في أسواق العمل.

ويتناول هذا العدد من النشرة ثلاثة محاور رئيسة: أولًا، التحولات العالمية وتأثيرها في الوظائف والمهارات؛ ثانيًا، أبرز الممارسات الدولية الناجحة في تطوير رأس المال البشري؛ ثالثًا، جهود الدولة المصرية في تعزيز رأس المال البشري وإعادة تشكيل سوق العمل بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد العالمي.

  • القسم الأول: التحولات العالمية وأثرها في الاستثمار في رأس المال البشري

  • القسم الثاني: الممارسات الدولية الرائدة لتعزيز رأس المال البشري

  • القسم الثالث: تعزيز رأس المال البشري في مصر: جهود الدولة لإعادة تشكيل سوق العمل وتطوير المهارات

اضغط هنا للتواصل معنا

يُظهر الواقع بوضوح أن ضعف الاستثمار في رأس المال البشري يُقوّض قدرة الدول على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، في حين أن الاستثمار الفعّال في التعليم والصحة والتدريب يُسهم مباشرة في رفع الإنتاجية وتحسين جودة الحياة. وتزداد ضرورة هذا الاستثمار في ظل التحولات العالمية العميقة ـــ مثل التطور التكنولوجي، والتغيرات الديموغرافية، وحالة عدم اليقين والضغوط الاقتصادية، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر ـــ التي تعيد صياغة المهارات المطلوبة وتعيد تشكيل أنماط عمل المؤسسات. وبناءً على ذلك، أصبح الاستثمار في رأس المال البشري ركيزة محورية لتطوير سياسات أكثر مرونة، وتعزيز التعلم المستمر وتنمية مهارات جديدة، بما يسهم في سد الفجوات بين القدرات المتاحة واحتياجات سوق العمل المتغيّرة.

أولًا: اتجاهات كبرى تعيد تشكيل مستقبل المهارات المطلوبة في سوق العمل

تشير نتائج تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي إلى مجموعة من الاتجاهات الكبرى التي من المتوقع أن تقود تحول الأعمال في السنوات المقبلة، وتشمل هذه الاتجاهات دوافع تكنولوجية واقتصادية وبيئية واجتماعية وديموغرافية وجيوسياسية، حيث تُساهم التطورات التكنولوجية، والتحول الأخضر، والتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، والتغيرات الديموغرافية في إحداث تحول جذري في سوق العمل العالمية، مما يُعيد تشكيل كلٍ من الوظائف والمهارات المطلوبة.

ويُعتَبَر التغير التكنولوجي أقوى العوامل المؤثرة في بيئة الأعمال، حيث أشار 60% من أصحاب الأعمال، وفق استطلاع أجراه منتدى الاقتصاد العالمي، إلى أن توسيع نطاق الوصول الرقمي سيكون المحرك الأبرز لهذا التحول، كما تعد التغيرات الاقتصادية من العوامل المهمة المؤثرة في بيئة الأعمال، حيث يرى 50% أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم سيدفع الشركات إلى إعادة هيكلة نماذج أعمالها، واعتبر 42% أن تباطؤ النمو الاقتصادي سيكون محوريًا في توجيه الأعمال المستقبلية.

كما يبرز التحول الأخضر كعامل أساسي في هذا السياق، إذ يتوقع 47% من أصحاب الأعمال حدوث تغييرات تنظيمية واسعة نتيجة تكثيف الجهود والاستثمارات الهادفة إلى خفض الانبعاثات الكربونية، بينما يرى 41% أن التكيف مع تغير المناخ سيفرض تغييرات جوهرية في العمليات، وبخصوص العوامل الاجتماعية يعتقد 46% أن التركيز على قضايا العمل والمسؤولية الاجتماعية سيؤثر مباشرة في اتجاهات الأعمال، في حين يرى 40% أن التحولات الديموغرافية ستقود تغييرات جوهرية في أنظمة التوظيف وإدارة المهارات، وعلى الصعيد الجيوسياسي، يشير 34% إلى أن الانقسامات والصراعات الدولية قد تدفع إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد.

وفي ضوء هذه النتائج، أصبح من الضروري التعمق في فهم الدوافع الكبرى التي تقود تحول الأعمال عالميًا، إذ لا تعمل هذه الاتجاهات بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل لتعيد تشكيل نماذج التشغيل، والهياكل الاقتصادية، وأولويات الاستثمار، وتشمل هذه المحركات الأساسية التطور التكنولوجي، والتحوّلات الديموغرافية، وعدم اليقين الاقتصادي والضغوط الاقتصادية، والتحول الأخضر، وكل منها يفرض تحديات جديدة، ويخلق في الوقت ذاته فرصًا للنمو والابتكار.

المصدر

1- التطور التكنولوجي:

تُعد التغيرات التكنولوجية العالمية أحد أبرز العوامل التي أعادت تشكيل سوق العمل خلال فترة زمنية وجيزة؛ إذ أسهمت الأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتقنيات الناشئة الأخرى في خلق بيئة عمل جديدة تتطلب مهارات متطورة باستمرار. وقد سرّعت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT من وعي المؤسسات والأفراد بحجم التحول القادم، ما أبرز الدور الحيوي للمهارات البشرية رغم توسّع قدرات الآلة.

ويُعد الذكاء الاصطناعي المحرك الأقوى لتغيير المهارات، مع ازدياد الطلب على مهارات تحليل البيانات والأمن السيبراني والتصميم وتجربة المستخدم والتفاعل مع الأنظمة الذكية، مقابل تراجع الحاجة إلى المهارات الروتينية التي باتت الأتمتة قادرة على إحلالها بسرعة متزايدة. وتتسق هذه التحولات مع تقديرات تشير إلى أن 65% من المهارات المطلوبة في الوظائف ستتغير بحلول عام 2030، وأن ما نشهده اليوم هو بداية لإعادة تأهيل مهني واسعة النطاق ستتطلبها العقود المقبلة.

يؤكد تحليل صادر عن مؤسسة Pearson — شمل أكثر من 800 مهنة في سوق العمل الأمريكية — أن المهن التي يُظهر فيها العاملون مستويات أعلى من التعلم النشط واستراتيجيات التعلّم الفعّال تكون أقل عرضة للأتمتة؛ إذ ترتبط كل زيادة بنسبة 1% في “التعلم النشط” بانخفاض 0.62% في قابلية المهنة للأتمتة، وكل ارتفاع بنسبة 1% في “استخدام استراتيجيات التعلّم” بانخفاض 0.35%.

وتعزز هذه النتائج القناعة بأن التكنولوجيا لا تلغي العمل البشري بل تعزّزه، مع استمرار أهمية المهارات الإنسانية المعقدة — مثل التفكير النقدي والحكم السليم والتعاطف — في صدارة احتياجات المستقبل. وفي الوقت ذاته، يتوسع التحول الرقمي بوتيرة غير مسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى أن توسيع الوصول الرقمي سيخلق 19 مليون وظيفة مقابل فقدان 9 ملايين، وأن الذكاء الاصطناعي سيخلق 11 مليون وظيفة جديدة، ويستبدل 9 ملايين، فيما تأتي الروبوتات والأنظمة الذاتية كأكبر محرك لفقدان الوظائف بصافي انخفاض قدره 5 ملايين وظيفة عالميًا.

واتساقًا مع ذلك، تُظهر نتائج استطلاع تقرير صادر عن منتدى الاقتصاد العالمي، أن نحو 60% من أصحاب العمل يرون أن توسيع الوصول الرقمي سيكون عاملًا حاسمًا في تطوير أعمالهم خلال السنوات المقبلة، لما يوفره من قدرة على تسريع تبنّي التقنيات الحديثة مثل: الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والأنظمة المستقلة، وتحليل البيانات المتقدمة، ويُبرز التقرير ثلاث تقنيات من المتوقع أن تكون الأكثر تأثيرًا في بيئات الأعمال حتى عام 2030:

  • الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات: وهي الأعلى تأثيرًا في بيئات الأعمال وفق 86% من المشاركين.

  •  الروبوتات والأنظمة المستقلة: ويتوقع 58% من أصحاب العمل أن تُحدث تحولًا جذريًا في نماذج الأعمال.

  •  تقنيات توليد الطاقة وتخزينها: ويرى 41% من أصحاب العمل أنها ستعيد تشكيل بيئات الأعمال.

وتطرح هذه التحولات تساؤلات حول مدى قدرة العمال على الاستفادة من القيمة الاقتصادية المتولدة عن زيادة اعتماد الشركات على الخوارزميات والآلات المتقدمة، وهنا تبرز أهمية مسار التعزيز (Augmentation)، الذي يركز على توظيف التكنولوجيا لتعظيم قدرات الإنسان بدلًا من استبدال دوره، ويتطلب نجاح هذا النهج سياسات فعالة لتطوير المهارات، وإعادة التأهيل المهني، وبناء القدرات الرقمية، بما يضمن تحقيق توازن أمثل بين الكفاءة التكنولوجية ودور العنصر البشري.

المصدر

2- التحوّلات الديموغرافية: 

تمثّل التحوّلات الديموغرافية أحد أبرز التحديات العالمية التي تتطلب إعادة توجيه السياسات نحو الاستثمار في رأس المال البشري وتعزيز جاهزية القوى العاملة، وتشمل هذه التحوّلات شيخوخة السكان وتراجع حجم القوى العاملة في الاقتصادات المتقدمة، مقابل النمو السريع في أعداد الشباب ودخولهم إلى سوق العمل في الاقتصادات منخفضة الدخل، وتنعكس هذه التغيرات السكانية بشكل مباشر على طبيعة الوظائف المطلوبة والمهارات الحرجة للمستقبل، حيث تتزايد أهمية المهارات الإنسانية الدقيقة مثل: التعاطف، الاستماع النشط، وإدارة الموارد، إضافة إلى مهارات تطوير الذات وإدارة المواهب لضمان بيئات عمل شاملة ومستدامة.

•  شيخوخة السكان وتراجع القوى العاملة في الاقتصادات عالية الدخل:

تشير الاتجاهات الدولية إلى تسارع غير مسبوق في معدلات الشيخوخة، إذ تتوقع منظمة الصحة العالمية ارتفاع نسبة السكان فوق 60 عامًا إلى نحو 22% بحلول عام 2050 مقارنة بـ 12% في عام 2015. وقد احتاجت الدول المتقدمة بين 40 و120 عامًا لمضاعفة نسبة كبار السن، بينما تحقق الدول النامية المعدل ذاته خلال فترة تتراوح بين 15 و35 عامًا، ما يعكس سرعة التحول الديموغرافي في هذه الدول.

ويرتبط هذا التحول بانخفاض مستمر في معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر المتوقع، ما يؤدي إلى تقلّص حجم القوى العاملة وازدياد الفجوات المهارية. فعلى سبيل المثال، في عام 2024، كان نحو 9 ملايين من أصل 43 مليون بالغ في سن العمل في بريطانيا لا يعملون ولا يدرسون بدوام كامل. كما انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية من 67% في عام 2000 إلى أقل من 63% في عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى أقل من 62% بحلول عام 2033، ما يؤثر في قدرة المؤسسات في سد احتياجاتها من المهارات.

ويؤكد تقرير “مستقبل الوظائف” الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي أن 40% من أصحاب العمل يعتبرون الشيخوخة وتراجع القوى العاملة من أهم العوامل المؤثرة في تغيّر أسواق العمل عالميًا، فيما يخطط 79% منهم لتسريع الأتمتة خلال السنوات الخمس المقبلة لتعويض نقص العمالة.

 النمو السريع للقوى العاملة الشابة في الاقتصادات منخفضة الدخل:

على الجانب الآخر، تشهد الاقتصادات منخفضة الدخل نموًا متسارعًا في أعداد الشباب، بما يوفّر فرصًا ديموغرافية واعدة إذا صاحبه استثمار كافٍ في التدريب وتنمية المهارات، ووفقًا للبنك الدولي، سيصل عدد الشباب الذين يدخلون سن العمل إلى 1.2 مليار شاب خلال العقد القادم، في حين لن تستوعب سوق العمل سوى 420 مليون وظيفة جديدة، ما يعني أن نحو 800 مليون شاب سيواجهون حالة من عدم اليقين الاقتصادي بشأن فرص دخولهم سوق العمل.

ويمثّل هذا النمو فرصة للدول التي تمتلك “عائدًا ديموغرافيًا” مثل الهند ودول إفريقيا جنوب الصحراء، إذ ستسهم هذه المناطق وحدها بنحو ثلثي المنضمين الجدد إلى سوق العمل عالميًا بحلول عام 2050. ومن المشجع أن 92% من أصحاب العمل الذين يرون في زيادة القوى العاملة الشابة محركًا للتغيير يخططون لإعطاء الأولوية لبرامج إعادة التدريب وتنمية المهارات بحلول عام 2030.

انعكاسات التحوّلات الديموغرافية على مستقبل سوق العمل:

تترتب على هذه التحولات الديموغرافية مجموعة من الآثار المباشرة على هيكل سوق العمل العالمية، يمكن تلخيصها في الآتي:

  • ارتفاع الطلب على وظائف الرعاية والخدمات الاجتماعية والتعليم في الاقتصادات التي تتزايد فيها نسبة كبار السن؛ نتيجة الحاجة إلى دعم نماذج رعاية متقدمة.

  • زيادة الفرص في مجالات التدريب والتعليم والمهن الفنية؛ لمواكبة التحول نحو إعادة تأهيل القوى العاملة وتطوير مهاراتها.

  • تسارع الأتمتة والرقمنة في الاقتصادات المتقدمة، كخيار لتعويض نقص العمالة، وهو ما تؤكده خطط 79% من أصحاب العمل في الدول الأعلى في معدلات الشيخوخة.

  • إعادة توزيع القوى العاملة عالميًا، حيث ترتفع نسبة السكان في سن العمل في الدول منخفضة الدخل من 49% حاليًا إلى 59% بحلول عام 2050، ما يعيد تشكيل خريطة الإمدادات العالمية للعمالة والمهارات.

المصدر

3- عدم اليقين الاقتصادي والضغوط الاقتصادية:

يعد تباطؤ النمو الاقتصادي أحد أبرز المخاطر على أسواق العمل، إذ من المتوقع صافي خسارة 3 ملايين وظيفة مقابل خلق مليوني وظيفة بحلول عام 2030، مع تراجع الطلب على وظائف النظافة والصيانة وبعض الأدوار الإدارية، في حين يُتوقع خلق 4 ملايين وظيفة مقابل زوال 3 ملايين؛ بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة في مجالات: الذكاء الاصطناعي، وتطوير الأعمال، واللوجستيات وسلاسل الإمداد.

تفاقمت التوترات الجيو-اقتصادية خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التجارة والإمداد، ولا سيما في الاقتصادات منخفضة الدخل. ووفقًا لمنظمة التجارة العالمية، فقد تضاعفت القيود التجارية بين عامي 2020 و2024، وارتفع إجمالي قيمة الواردات الخاضعة لهذه القيود ليصل إلى نحو 10% من إجمالي الواردات العالمية عام 2024، أي أن عُشر التجارة العالمية بات يخضع لإجراءات تقييدية بشكل مباشر، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن هذه القيود – وما يصاحبها من تفكك جيو-اقتصادي – قد تتسبب في خسائر تتراوح بين 0.2% و7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ويؤكد منتدى الاقتصاد العالمي أن التوترات الجيوسياسية باتت عنصرًا محوريًا يعيد تشكيل بيئة الأعمال، حيث يرى 34% من أصحاب العمل أنها أصبحت عاملًا رئيسًا مؤثرًا في استراتيجياتهم، بينما يعتبر 23% أن القيود المتزايدة على التجارة والاستثمار تُحدث أثرًا مباشرًا على عملياتهم، إضافةً إلى تأثير الإعانات والسياسات الصناعية وفق رأي 21% من المشاركين، ويزداد إدراك المخاطر المرتبطة بالتجزئة الجيو-اقتصادية في مناطق مثل شرق آسيا وأمريكا الشمالية، حيث يرى نحو نصف أصحاب العمل أنها تشكل العامل الأبرز في إعادة رسم أسواق العمل، وتبرز دول ذات روابط تجارية عميقة مع الولايات المتحدة الأمريكية أو الصين، مثل: سنغافورة (64%) وكوريا الجنوبية (71%)، كأكثر الدول توقعًا لحدوث تحولات جوهرية في سلاسل القيمة والتجارة.

وعلى مستوى القطاعات، تختلف درجة تأثر الصناعات بالتوترات الجيو-اقتصادية، إذ تتوقع القطاعات ذات الارتباط الوثيق بسلاسل التوريد العالمية، مثل: السيارات والطيران (46%) والتعدين والمعادن (55%)، حدوث تحولات كبيرة نتيجة القيود التجارية، في المقابل، يقل أثر هذه التحولات على القطاعات المحلية مثل التعليم، حيث يرى أقل من 14% من أصحاب العمل أن القيود التجارية قد تكون معرضة لاضطراب جوهري داخل هذا القطاع، كما تنتظر صناعات التعدين والمعادن والتصنيع المتقدم والنفط والغاز تغيرات ملموسة مدفوعة بالإعانات الحكومية والسياسات الصناعية، بنسب 31% و33% و40% على التوالي.

بناءً على ذلك، يقف الاقتصاد العالمي عند مفترق طرق، حيث يتزامن تباطؤ النمو مع ضغوط تضخمية وتوترات جيو-اقتصادية تعيد تشكيل التجارة والاستثمارات وسوق العمل، وتتطلب مواجهة هذه التحديات: تعزيز التعاون الدولي، تبني سياسات مالية ونقدية مرنة، دعم الابتكار، وإعادة تصميم استراتيجيات العمل لتعزيز الكفاءة والمرونة في عالم يسوده عدم اليقين المستمر.

المصدر

4- التحول الأخضر: 

يمثل التحول الأخضر أحد أبرز المتغيرات التي تعيد تشكيل أسواق العمل عالميًا، إذ تشير التقديرات إلى أن سياسات التكيف المناخي وخفض الانبعاثات ستصبح محركًا رئيسًا لنمو الوظائف خلال السنوات المقبلة. ويُظهر تقرير المهارات الخضراء 2025 الصادر عن لينكدإن أن المهارات الخضراء تحولت إلى متطلب أساسي في التوظيف بعد أن كانت مقتصرة على القطاعات البيئية، حيث ارتفع معدل توظيف أصحابها بنسبة 46.6% خلال عام 2025 مقارنة بالمتوسط العالمي، ما يعكس أهميتها المتزايدة في دعم التحول المناخي وتعزيز تنافسية الأعمال.

وتكشف بيانات لينكدإن أن قطاع التكنولوجيا والمعلومات والإعلام سجل أعلى نمو في التوظيف الأخضر بين عامي 2021–2025 بنسبة 11.3%، كما برز قطاع النقل واللوجستيات وسلسلة الإمداد والتخزين بنسبة 8%، وجاء قطاع الخدمات المالية بنسبة 7.5%، كما يُعد التحول الأخضر محفزًا لزيادة وظائف البناء والتشطيبات، في حين تواجه العمالة الزراعية مخاطر أكبر بفعل التحولات المناخية.

هذا، وتسجل الهند أعلى معدل تفوق في توظيف أصحاب المهارات الخضراء بنسبة 59.7%، بينما حققت فرنسا زيادة سنوية مرتفعة بلغت نحو 54.4%، ويبلغ التفوق في الولايات المتحدة الأمريكية 46.5%. كما ارتفعت نسبة العاملين الذين يمتلكون مهارة خضراء واحدة على الأقل إلى 17.6% في 84 دولة عام 2025 مقارنة بـ 16.8% عام 2024، مما يشير إلى اتساع تبنّي هذه المهارات عالميًا، رغم تباطؤ طفيف في مطلع 2025.

وعلى صعيد نمو الوظائف المرتبطة بالتحول الأخضر، من المتوقع خلق نحو 5 ملايين وظيفة نتيجة التكيف المناخي و3 ملايين وظيفة من خفض الانبعاثات، إضافة إلى مليون وظيفة في الطاقة المتجددة بحلول عام 2030. واتصالًا، يمثل خفض الانبعاثات أولوية لـ 47% من أصحاب العمل وفقًا لاستطلاع أجراه منتدي الاقتصاد العالمي، بينما يُعد التكيف المناخي محركًا لتحولات تنظيمية لدى 41% منهم، ما يفسر الطلب المتزايد على وظائف البيئة والطاقة المتجددة والاستدامة التي تُعد ضمن أسرع المهن نموًا عالميًا.

المصدر

ثانيًا: أثر التحولات العالمية في هيكل الوظائف والمهارات: 

أثرت التحولات الأربعة الرئيسة: التطور التكنولوجي، التحولات الديموغرافية، عدم اليقين والضغوط الاقتصادية، والتحول الأخضر، بشكل مباشر في الوظائف والمهارات، فالتكنولوجيا والأتمتة تعيد تشكيل الطلب على الكفاءات، والتحولات الديموغرافية تغيّر حجم وتركيب القوى العاملة، بينما يؤدي عدم اليقين الاقتصادي والضغوط المالية إلى تعديل الأولويات الوظيفية، في حين يخلق التحول نحو الاقتصاد الأخضر فرصًا جديدة، ويزيد الحاجة إلى المهارات المستدامة والخضراء، ما يفرض على الأفراد والمؤسسات التكيف المستمر مع متطلبات سوق العمل المتغيرة.

1- التحولات العالمية وأثرها في هيكل الوظائف:

يشهد العالم منذ جائحة كوفيد-19 تحولات عميقة في هيكل الوظائف وطبيعة المهارات المطلوبة بفعل التقلبات الاقتصادية المتسارعة، وتصاعد عدم اليقين، والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب تأثيرات تغير المناخ، وقد أسهمت هذه العوامل في توسيع الفجوة العالمية في الوظائف؛ إذ بلغت الحاجة إلى نحو 402 مليون وظيفة إضافية في عام 2024، ما يعكس إعادة هيكلة غير مسبوقة في ديناميكيات سوق العمل. فمن المتوقع أن تتأثر 22% من الوظائف الرسمية بإعادة الهيكلة، مع إضافة 170 مليون وظيفة جديدة (14%) مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة (8%)، لتحقق السوق صافي نمو يبلغ 78 مليون وظيفة، ويشير ذلك إلى انتقال تدريجي نحو وظائف تعتمد على المهارات الرقمية والتحليلية والتقنية والابتكارية بوصفها عناصر محورية في تنافسية الاقتصادات.

ويأتي العمال الزراعيون في مقدمة الوظائف الأسرع نموًا من حيث الزيادة العددية، إذ يُتوقع إضافة 35 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، ويُعزى هذا النمو إلى التحول الأخضر، والاستثمارات المتزايدة في الزراعة المستدامة، والتوسع الرقمي في الخدمات الزراعية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف المعيشة الذي يدفع نحو تعزيز الإنتاجية.

كما ستشهد العديد من وظائف الخدمات الأساسية نموًا مستمرًا، بما في ذلك سائقو التوصيل، وعمال البناء، وموظفو المبيعات، وعمال تجهيز الأغذية، ورغم تأثر معظم هذه الوظائف بالتقدم التكنولوجي، فإن الاتجاهات الديموغرافية والاقتصادية، مثل زيادة الطلب الاستهلاكي وتوسع المدن، تسهم في رفع صافي الطلب على هذه الفئات، ويعكس ذلك توازنًا بين التحولات التقنية من جهة، والاحتياجات البشرية والاجتماعية التقليدية من جهة أخرى.

كما تُظهر وظائف التقنية والرعاية والتعليم معدلات نمو متزايدة عالميًا، وتشمل: مطوري البرمجيات والتطبيقات، والممرضين والممرضات، والمتخصصين في العمل الاجتماعي، ومساعدي الرعاية الشخصية، كما تأتي وظائف التعليم، مثل؛ أساتذة الجامعات والمعلمين في التعليم الثانوي، ضمن أكثر الوظائف توليدًا للفرص الجديدة، مدفوعة بالتوسع في التحول الرقمي، وارتفاع أعداد السكان في سن التعليم، وتزايد الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والعمالية.

اتجاهات التغير العالمي في الوظائف بحلول عام 2030: 

1- الوظائف الأسرع نموًا:

يميل النمو الأسرع إلى الوظائف المرتبطة بالتطورات التكنولوجية، ومن أبرزها:

  • إخصائيو البيانات الضخمة وتحليل البيانات.

  • مهندسو التكنولوجيا المالية (FinTech).

  • متخصصو الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة.

  • مطورو البرمجيات والتطبيقات.

  • متخصصو الأمن السيبراني الذين باتوا ضمن أعلى خمس وظائف نموًا عالميًا، بفعل تزايد التهديدات السيبرانية وتجزؤ البيئة الجيوسياسية.

كما تشهد الوظائف المرتبطة بالتحول الأخضر نموًا متسارعًا، بما يشمل:

  • إخصائيو السيارات الكهربائية والمستقلة.

  • المهندسون البيئيون.

  • مهندسو الطاقة المتجددة.

ويُعزى هذا النمو إلى تصاعد الاستثمارات في التكيف مع تغير المناخ، والاعتماد المتزايد على الطاقة النظيفة، وتطور تقنيات تخزين وتوزيع الطاقة.

2- الوظائف الأسرع تراجعًا:

يتوقع أصحاب الأعمال تراجعًا واضحًا في الوظائف الإدارية والكتابية نتيجة للأتمتة والتحول الرقمي، ومن أبرزها:

  • موظفو الخدمات البريدية.

  • الصرافون وموظفو الأعمال البنكية.

  • مدخلو البيانات.

  • أمين الصندوق وموظفو التذاكر.

  • المساعدون الإداريون والسكرتارية التنفيذية.

ويرتبط تراجع هذه الوظائف بتقدم الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وتطور الأدوات الرقمية، إلى جانب تغيّر التركيبة الديموغرافية.

المصدر

2- التحولات العالمية وأثرها في هيكل المهارات:

تشكل فجوات المهارات تحديًا جوهريًا أمام نمو الاقتصادات والأسواق الحديثة، وقد تصل آثارها الاقتصادية والاجتماعية إلى تريليونات الدولارات إذا لم تُعالج بشكل عاجل، وتنعكس هذه الفجوات على الأفراد عبر انخفاض الدخل مدى الحياة، وزيادة عدم اليقين الوظيفي، والضغوط النفسية المرتبطة بعدم مواكبة متطلبات سوق العمل، وقد سرّعت جائحة كوفيد-19 اضطراب المهارات من خلال تعميق الرقمنة والعمل عن بُعد، إلا أن التقديرات تشير إلى تباطؤ نسبي في معدل اضطراب المهارات، مع تراجع المهارات المتوقع تغيرها من 44% عام 2023 إلى 39% بحلول 2030، وارتفاع مشاركة العاملين في برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل من 41% إلى 50%.

رغم ذلك، أوضح تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) صادر عام 2023، أن ما يقرب من ثلث العاملين في دول المنظمة ليسوا في وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم أو مهاراتهم أو مجالات دراستهم، بما يعكس حجم الفجوة بين المهارات المتاحة والمهارات المطلوبة في سوق العمل، ويُبرز أهمية إعادة التخصيص المهني والتعلم المستمر.

وفي هذا السياق، أشار البنك الدولي، إلى أنه لا يزال نحو 750 مليون شخص بالغ لا يجيدون القراءة والكتابة، ويعاني حوالي 450 مليون شاب من العزلة الاقتصادية نتيجة نقص المهارات، بينما يحتاج أكثر من 2.1 مليار شخص إلى برامج تعليمية تعويضية لتطوير المهارات الأساسية والمعرفية والاجتماعية والعاطفية.

ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة Pearson، تُقدّر الخسائر السنوية في الولايات المتحدة الأمريكية الناتجة عن فجوات الانتقال التعليمي والمهني بنحو 1.1 تريليون دولار، مع الجزء الأكبر نتيجة اضطرابات الأتمتة التي تهدد دخولًا تقدر بـنحو 694 مليار دولار.

كما أوضح البنك الدولي، أن نحو 23% من الشركات تواجه صعوبات كبيرة بسبب نقص المهارات، وتصل النسبة إلى 40–60% في بعض دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع صعوبة وضع سياسات فعالة في غياب بيانات دقيقة عن القوى العاملة.

وعليه، تعتبر فجوات المهارات العقبة الأكبر أمام التحول المؤسسي (63% من أصحاب العمل)، تليها الثقافة التنظيمية والمقاومة الداخلية (46%)، المخاوف التنظيمية (39%)، ونقص البيانات والبنية التحتية التقنية (32%)، إضافة إلى تحديات رأس المال الاستثماري وفهم الفرص.

هذا، وتختلف معدلات التعرض للتحولات بين القطاعات، حيث تتأثر قطاعات: التكنولوجيا، المعلومات والإعلام، التجزئة، الجملة، والخدمات المالية بأعلى نسب اضطراب المهارات (64%–71%)، ما يستلزم إعادة تأهيل ملايين العاملين للانتقال إلى وظائف أكثر تقدمًا بأجور أعلى، بتكاليف عالمية تُقدّر بمليارات الدولارات.

وعليه، تشهد سوق العمل تحولًا جذريًا في طبيعة المهارات المطلوبة، إذ من المتوقع أن تتغير نحو 65% من المهارات الحالية بحلول عام 2030، نتيجة الذكاء الاصطناعي المتقدم وظهور مهارات جديدة مثل؛ تصميم الاستفسارات (Prompt Engineering)، تنسيق البيانات، ومتخصصي الذكاء الاصطناعي المسؤول، بينما تظل المهارات البشرية المعقدة، مثل: التفكير النقدي، الحكم السليم، التعاطف، القدرة على التكيف، وحل المشكلات، محورية في سوق العمل المستقبلية.

المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل: 

يظهر تقرير “مستقبل الوظائف 2025″، الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي، حدوث تحول جوهري في أولويات سوق العمل بحلول عام 2030، فمن المتوقع استمرار نمو أهمية المهارات الحالية وظهور مهارات جديدة، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة محاور:

  • المهارات الأسرع نموًا: تشمل المهارات التكنولوجية، مثل: الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة (87%)، الشبكات، والأمن السيبراني (70%)، إلى جانب التفكير التحليلي والإبداعي (66%)، والمرونة والتكيف (66%)، والتعلم مدى الحياة، والقيادة وإدارة المواهب، كما تشمل المهارات الناشئة مثل الرعاية البيئية، والتي يتوقع أن تزداد أهميتها مستقبليًا.

  • المهارات الأكثر استقرارًا: تشمل المهارات الإنسانية الأساسية مثل: التعاطف، الاستماع النشط، التوجه الخدمي، إدارة الموارد والعمليات، والتي تظل ضرورية رغم التحولات التكنولوجية السريعة.

  • المهارات في انخفاض نسبي: تتراجع تدريجيًا بعض المهارات التقليدية، مثل: القراءة والكتابة، الرياضيات، البراعة اليدوية، الاعتمادية، والدقة والانتباه للتفاصيل، نتيجة التحول الرقمي واعتماد الأتمتة.

الفرص الاقتصادية في سد فجوات المهارات:

تشير تقديرات منتدى الاقتصاد العالمي إلى تفاوت واضح في توقعات الشركات بشأن توافر المواهب حتى عام 2030، حيث تتوقع 29% فقط عام 2025 تحسنًا بخصوص توافر المواهب مقارنة بـ39% في 2023، بينما ترى 42% تدهورًا، وتعكس هذه الفجوات الاختلافات الديموغرافية الإقليمية؛ إذ تبدي المؤسسات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في دول مثل؛ مصر والمغرب والبحرين تفاؤلًا أكبر بشأن توافر المواهب، بنحو 39%، 38%، و31% على التوالي، في حين تواجه المؤسسات الأوروبية تحديات أعلى، كما تتباين توقعات تطوير واستبقاء المواهب بين المناطق، مع تفاؤل أكبر في شرق آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء وآسيا الوسطى، ونظرة أكثر تحفظًا في أوروبا وأمريكا الشمالية.

كما أظهرت دراسة شملت 23 دولة من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أن الزيادة المماثلة في المهارات المعرفية تؤدي إلى ارتفاع معدل النمو الاقتصادي السنوي بمقدار 1.74 نقطة مئوية، مما يعكس التأثير المباشر للمهارات في الأداء الاقتصادي الكلي.

ووفقًا للبنك الدولي، يمكن للاقتصاد العالمي أن يكسب ما يُقدر بنحو 6.5 تريليونات دولار خلال السنوات السبع المقبلة من خلال سد فجوات المهارات لدى العمال، أي ما يمثل نحو 5–6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، رغم أن معظم الدول تستثمر أقل من 0.5% من ناتجها في برامج التعلم مدى الحياة للبالغين.

ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة Pearson، فإن تقليص متوسط فترة إعادة التأهيل أو تطوير المهارات، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انخفضت هذه الفترة بنسبة 20%، يمكن أن يرفع الدخل السنوي للموظفين بنحو 139 مليار دولار، ويبرز ذلك بوضوح الأثر الاقتصادي الكبير للاستثمار في تسريع عملية اكتساب المهارات.

المصدر

في ظل التحولات السريعة في الاقتصاد العالمي وارتفاع الطلب على المهارات الجديدة، أصبحت تنمية رأس المال البشري محورًا أساسيًا لنجاح الدول والمؤسسات. لم يعد تطوير المهارات التقليدية كافيًا، بل بات من الضروري اعتماد سياسات شاملة تدعم التدريب المستمر، والأتمتة، ورفاه الموظفين، وتنوع المواهب. ويستعرض هذا القسم أهم الاتجاهات والسياسات التي يتبناها أصحاب الأعمال عالميًا لتعزيز جاهزية القوى العاملة، إلى جانب أبرز الممارسات الدولية الرائدة في الدول التي حققت تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات رأس المال البشري والمعرفة والمهارات.

أولًا: سياسات واستراتيجيات تعزيز رأس المال البشري

أصبحت عملية تحسين مهارات القوى العاملة من أكثر استراتيجيات القوى العاملة شيوعًا استجابةً للاتجاهات الاقتصادية الكلية؛ إذ يخطط 85% من أصحاب الأعمال في استطلاع أجراه منتدي الاقتصاد العالمي اعتماد هذا النهج. وتُصنَّف هذه الاستراتيجية ضمن أهم ثلاث استراتيجيات في مختلف المناطق والاقتصادات على اختلاف مستويات الدخل، مع تسجيل الشركات في الاقتصادات مرتفعة الدخل أعلى نسبة تبنٍّ (87%)، تليها الاقتصادات متوسطة الدخل العليا (84%)، ثم متوسطة الدخل الدنيا (82%).

وتأتي أتمتة العمليات والمهام كثاني أكثر استراتيجيات القوى العاملة شيوعًا، حيث يخطط 73% من أصحاب العمل لتسريع استخدامها، مع ملاحظة أن استراتيجية الأتمتة أكثر وضوحًا في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع (77%) مقارنة بالاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأعلى (74%) والمتوسط الأدنى (57%).

فيما يتعلق بتحسين تركيبة القوى العاملة، تخطط 70% من المؤسسات لتوظيف موظفين جدد ذوي مهارات مطلوبة، بينما يعتزم 51% إعادة توجيه الموظفين الحاليين من الوظائف المتراجعة إلى الوظائف المتنامية، كما يتوقع 41% من أصحاب العمل تقليص عدد الموظفين نتيجة لتقادم المهارات، فيما يخطط 10% لنقل العمليات ضمن نطاق تحكم أقرب عبر إعادة التوطين أو القرب الجغرافي أو الشراكات الموثوقة، مقارنة بـ 8% يخططون لنقل أجزاء كبيرة من القوى العاملة إلى الخارج.

كما أصبح دعم صحة الموظف ورفاهيته أولوية جديدة لتعزيز توافر الكفاءات والمواهب خلال الفترة 2025-2030، حيث أشار 64% من أصحاب العمل إلى أهمية هذا النهج، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالمركز التاسع في تقرير 2023 ليصبح الأول هذا العام، ويعتبر هذا النهج مهمًا عبر جميع الصناعات، حيث يحتل المرتبة الأولى في ثمانية قطاعات، ويظل ضمن أعلى أربعة في باقي القطاعات، ويبرز دوره بشكل خاص في قطاع التأمين وإدارة المعاشات، حيث يتوقع 85% من الشركات أن يسهم في تحسين توافر المواهب، أما قطاعا الإقامة والطعام والترفيه، والتعليم والتدريب فقد سجلا أكبر زيادة في أولوية دعم صحة الموظف ورفاهيته بين عامي 2023 و2025.

وتشمل الممارسات الأخرى الواعدة لتطوير رأس المال البشري وتعزيز المواهب، توفير فرص فعّالة لإعادة التدريب وتطوير المهارات، وهو ما أبرزه 63% من المؤسسات، مع تركيز خاص في القطاع الحكومي والعام، حيث يتوقع أربعة من كل خمسة مشاركين أن تسهم هذه التدابير في زيادة قاعدة المواهب لديهم، كما يظل تحسين تقدم الموظفين وترقياتهم محور اهتمام 62% من الشركات،  بينما تعتبر زيادة الأجور أولوية لدى 50% من أصحاب العمل.

كما تزداد أهمية توسيع قاعدة المواهب المتنوعة، حيث يؤكد 47% من أصحاب العمل فعالية هذه الاستراتيجية، مقارنة بـ10% فقط في تقرير 2023، ما يعكس التحول نحو اتباع نهج المهارات أولًا في جذب المواهب بناءً على المهارات بدلًا من المؤهلات التقليدية، كما يظهر اهتمام متزايد من أصحاب العمل في توفير مرونة العمل، مثل تمكين العمل عن بُعد عبر الحدود (27%) ودعم الموظفين ذوي المسؤوليات الأسرية (26%).

وعلى صعيد السياسات العامة، أشار أصحاب العمل إلى أن التدخلات الأكثر فعالية لزيادة الوصول إلى المواهب خلال الفترة 2025-2030 تتمثل في:

  • تمويل برامج إعادة التدريب والتطوير المهني بنسبة 55%.

  • توفير برامج إعادة التدريب والتطوير المهني بنسبة 52%.

  • تحسين أنظمة التعليم العام بنسبة 47%، لتصبح المركز الثالث عالميًا مقارنة بالمركز الرابع في تقرير 2023.

ويعكس ذلك رغبة الشركات في استثمار عام مستمر في تطوير المهارات لمواءمة قدرات القوى العاملة مع متطلبات سوق العمل المستقبلية.

المصدر

ثانيًا: الممارسات الدولية الرائدة: 

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لا سيما مع التسارع الكبير في التقنيات الرقمية وتعاظم دور اقتصاد المعرفة، أصبحت تنمية رأس المال البشري ركيزة أساسية لتعزيز القدرة التنافسية للدول وضمان استدامة نموها الاقتصادي والاجتماعي، ولم يعد الاستثمار التقليدي في التعليم والتدريب كافيًا لمواكبة هذه التحولات؛ بل بات يتطلب تبني سياسات شاملة قائمة على المهارات، تعمل على ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتعزيز الابتكار، ودعم التكيف مع التطورات التكنولوجية المتسارعة.

وفي إطار هذا التحول العالمي، برزت مجموعة من الدول التي استطاعت، من خلال إصلاحات مؤسسية متقدمة وممارسات مبتكرة، تحقيق تقدم ملموس في المؤشرات الدولية، ويهدف هذا الجزء إلى تحليل أبرز هذه النماذج الدولية المتقدمة، واستعراض السياسات والممارسات التي اعتمدتها الدول الرائدة لتعزيز جاهزية القوى العاملة، وتحسين جودة التعليم، وتطوير المهارات والقدرات، ودعم الابتكار والإنتاجية. ويتيح هذا التحليل استخلاص دروس عملية يمكن الاستفادة منها محليًا لدعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر تنافسية قائمًا على المعرفة والمهارات.

وقد تم اختيار مجموعة من الدول المتقدمة استنادًا إلى أدائها في عدد من المؤشرات الدولية المحورية، وهي: مؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي، مؤشر المهارات العالمي الصادر عن منصة كورسيرا ” Coursera”، مؤشر المعرفة العالمي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، ومؤشر متوسط إنتاجية العامل في الساعة الصادر عن منظمة العمل الدولية.

1- مؤشر رأس المال البشري  (Human Capital Index): 

يقدّم مؤشر رأس المال البشري (Human Capital Index) الصادر عن البنك الدولي تقييمًا شاملًا لمستوى التنمية البشرية في 174 دولة، من خلال دمج مؤشرات التعليم والصحة في مقياس موحّد على مقياس من 0 إلى 1، حيث تشير القيم الأعلى إلى إنتاجية أعلى للجيل القادم، ويوفر المؤشر قاعدة بيانات مهمة لدعم سياسات الاستثمار في التعليم والصحة وتعزيز كفاءة رأس المال البشري وزيادة الإنتاجية على المدى الطويل.

وفقًا لقياس مؤشر رأس المال البشري (HCI)، شهدت الغالبية العظمى من الاقتصادات تقدمًا في رأس المال البشري. فعلى مدار الفترة من 2010 إلى 2020، ارتفع المؤشر بمتوسط 2.6 نقطة مئوية. وكان أبرز الدول التي حققت أعلى مستويات رأس المال البشري في عام 2020 هي: سنغافورة، اليابان، كندا، كوريا الجنوبية، وفنلندا.

المصدر

2- مؤشر المهارات العالمي:

يقدّم مؤشر المهارات العالمي الصادر عن منصة كورسيرا ” Coursera” تقييمًا شاملًا لمستوى المهارات واحتياجات سوق العمل المستقبلية في 109 دول، مستندًا إلى بيانات أكثر من 170 مليون متعلم، ومؤشرات داعمة من البنك الدولي والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، ويقيس المؤشر كفاءة المتعلمين في 274 مهارة في مجالات الأعمال والتكنولوجيا وعلوم البيانات، ويضم “مؤشر نضج الذكاء الاصطناعي” لقياس جاهزية الدول لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتعزيز الابتكار وبناء القدرات المستقبلية.

ويشير مؤشر 2025 إلى تحول سريع في الطلب على المهارات، بقيادة الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث يفضل 94% من أصحاب العمل توظيف مرشحين يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي  GenAI، كما تتزايد الحاجة إلى متخصصي الأمن السيبراني، مع وجود فجوة عالمية تقارب خمسة ملايين وظيفة شاغرة، ويبرز دور الشهادات المهنية في تعزيز فرص التوظيف، ويحذّر المؤشر من أن نقص المهارات أصبح تهديدًا مباشرًا للتنافسية العالمية، ما يستلزم اعتماد استراتيجيات تعلم قائمة على المهارات لتطوير قوة عاملة قادرة على مواكبة التحول الرقمي، ومن أبرز الدول في المؤشر لعام 2025: سويسرا، هولندا، السويد، سنغافورة، وفنلندا.

المصدر

3- مؤشر المعرفة العالمي:

يشكل مؤشر المعرفة العالمي، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، أداة محورية للتعرف على مكانة الدول في مجالات المعرفة المتعددة، إذ يغطي سبعة مؤشرات قطاعية تشمل: التعليم ما قبل الجامعي، والتعليم التقني والمهني، والتعليم العالي، والبحث والتطوير والابتكار، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والاقتصاد، والبيئة التمكينية، ويسهم المؤشر في دعم واضعي السياسات لبناء استراتيجيات قائمة على المعرفة تُعزّز الابتكار وتطوّر المهارات، وقد كشف المؤشر عن فجوات في المواهب الرقمية ونقص خريجي تخصصات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات “Information and Communication Technology (ICT)”، ويؤكد المؤشر أن التقدم المعرفي مستمر، لكن الحفاظ على الريادة يتطلب معالجة تحديات جوهرية مثل سد فجوة المهارات الرقمية وتعزيز الاستدامة البيئية لضمان جاهزية اقتصادات المستقبل، ومن أبرز الدول في المؤشر لعام 2025: سويسرا، سنغافورة، السويد، الدنمارك، وهولندا.

المصدر

4- مؤشر متوسط إنتاجية العامل لكل ساعة:

يوفر مؤشر متوسط إنتاجية العامل لكل ساعة، الصادر عن منظمة العمل الدولية، قراءة دقيقة لمستوى الإنتاجية وكفاءة العاملين، ما يجعله مؤشرًا أساسيًا لتقييم جودة المهارات ومدى فاعليتها في دعم النمو الاقتصادي.

وبناءً على نتائج هذه المؤشرات، تم تحديد مجموعة من الدول التي حققت أداءً متقدمًا في تنمية رأس المال البشري مدفوعة بمكاسب الإنتاجية، وتشمل: سويسرا، هولندا، السويد، سنغافورة، فنلندا، الدنمارك، اليابان،

 

Comments (0)
Add Comment