الأمن المجتمعي يبدأ قبل نقطة الشرطة

 

 

 

مدخل قراني لمشكلات المجتمع السوداني 

بوفسور طارق الصادق عبد السلام 

حين يُذكر الأمن، يتجه الذهن غالباً إلى رجال الشرطة، والدوريات، والقوانين، والعقوبات. وهذه كلها أدوات ضرورية، لكنها تمثل خط الدفاع الأخير، لا الأول.

أما خط الدفاع الأول فيبدأ داخل البيت، حيث تتكون الشخصية، وفي المدرسة حيث تُبنى القيم، وفي المسجد حيث يترسخ الضمير، وفي الجامعة حيث يتشكل الوعي، وفي الحي الذي يشعر فيه الشاب أنه جزء من مجتمع يقدره ويحتضنه.

ولذلك فإن انتشار المخدرات لا يمكن أن يُفهم باعتباره مجرد جريمة، بل هو في كثير من الأحيان إنذار بوجود خلل أعمق في البيئة الاجتماعية. وحين تتزامن آثار الحرب، والنزوح، والضغوط الاقتصادية، والفراغ، وضعف البرامج الموجهة للشباب، تصبح الحاجة إلى الوقاية أشد من الحاجة إلى العقوبة.

ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة تعزيز الأمن المجتمعي والوقاية الشاملة بالولاية الشمالية ومدينة دنقلا ، التي تقوم باعدادها منظمة د. حسين حماد للتنمية المستدامة  بالتعاون مع جمعية دنقلا فرع القاهرة  والمنظمة الوطنية للسلام والتنمية  ومزمع ان تكون بشراكة ذكية مع وزارة الداخلية ممثلة في جامعة الرباط الوطني والإدارة العامة للشرطة المجتمعية،  بالتعاون مع شرطة الولاية الشمالية، لتؤكد أن المجتمع كله شريك في صناعة الأمن، وأن حماية الشباب مسؤولية جماعية لا تنحصر في مؤسسة واحدة.

ولذلك لن تُبنَ المبادرة على المحاضرات وحدها، بل على التدريب، وورش العمل، واللقاءات المجتمعية، وزيارات المدارس والجامعات، ومعرض مكافحة المخدرات، ومعرض الكتاب، والأنشطة الشبابية والثقافية، لأن بناء الإنسان لا يتحقق بخطاب واحد، وإنما ببيئة كاملة تعزز القيم وتفتح أبواب الأمل والمشاركة.

إن معركة المجتمع مع المخدرات ليست معركة ضد مادة محرمة فحسب، بل هي معركة من أجل الإنسان؛ من أجل أن يبقى الشاب قادراً على بناء نفسه وأسرته ووطنه. وكل مجتمع يستثمر في الوقاية قبل وقوع المشكلة، إنما يحمي مستقبله قبل أن يحمي حاضره.

ولعل هذه هي الرسالة التي سنحاول أن نواصلها في هذا العمود: أن نقرأ قضايانا بعيون ترى ما وراء الظواهر، وتربط بين الإنسان والقيم والعمران، وتؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الوعي، وأن المجتمع حين يبني إنسانه، يكون قد وضع الأساس المتين لكل أمن واستقرار وتنمية.

رؤية قرآنية… لأن كل إصلاح حقيقي يبدأ برؤية صحيحة، وكل رؤية صحيحة تبدأ بقراءة واعية لسنن الله في الإنسان والمجتمع والحضارة

Comments (0)
Add Comment