من عمق المشهد| د. ست البنات حسن أحمد تكتب: المسؤولية المجتمعية.. من هِبات الإحسان إلى هندسة البقاء وإعادة الإعمار

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

المسؤولية المجتمعية.. من هِبات الإحسان إلى هندسة البقاء وإعادة الإعمار

لم تكن “المسؤولية المجتمعية للشركات والمؤسسات” (CSR) وليدة ترفٍ إداري أو صدىً للوائح اقتصادية جامدة؛ بل هي امتداد أصيل لجوهر الفطرة الإنسانية ومبدأ استخلاف الإنسان في عمارة الأرض بالعدل والإحسان. إنها العقد الأخلاقي غير المكتوب الذي يقرر بأن أي نشاط اقتصادي يستنزف موارد البيئة وطاقات المجتمع لا يملك مشروعية البقاء والاستدامة ما لم يُعوّض هذا المحيط بنماء حقيقي يصون كرامة أهله ويحمي حق الأجيال في الحياة الكريمة.
أولاً: الجذور والتحولات العالمية.. من “نافلة البر” إلى “حوكمة البقاء”
تدرجت فكرة المسؤولية المجتمعية عالمياً عبر ثلاثة منعطفات مفصلية أعادت صياغة دور رأس المال:
* اليقظة الأخلاقية للثورة الصناعية (القرن التاسع عشر):
مع الانفجار الصناعي في بريطانيا والولايات المتحدة وما رافقه من استغلال وحشي للعمال، بدأت مبادرات فردية لرواد أعمال فطنوا إلى أن استدامة مصانعهم رهينة بالحد الأدنى من كرامة شغيلتهم؛ فأنشأوا مدناً عمالية ووفروا التعليم الأساسي والمصحات كـ”صدقة مستنيرة”.
* التقنين الأكاديمي والتحول المؤسسي (منتصف القرن العشرين):
مع صدور كتاب الأب الروحي للمفهوم “هوارد بوين” (Howard Bowen) عام 1953 «المسؤوليات الاجتماعية لرجل الأعمال»، انتقلت الظاهرة من دائرة “الضمير الفردي” إلى مسار “الالتزام المؤسسي”، متجاوزة المقولة النيوليبرالية الشهيرة لميلتون فريدمان بأن “المسؤولية الوحيدة للشركة هي تعظيم أرباح المساهمين”.
* عصر المعايير والرقابة الدولية (الألفية الثالثة):
تحول المفهوم مع إطلاق الميثاق العالمي للأمم المتحدة ومؤشرات الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة (ESG) إلى شريان حياة لاقتحام الأسواق العالمية، حيث تدار اليوم استثمارات مستدامة تفوق قيمتها التريليونات دولياً بناءً على تقارير الشفافية وقياس الأثر (KPIs)، ليصبح رأس المال المسؤول شرطاً للجدارة الائتمانية والسمعة الدولية.
ثانياً: أركان الإدارة الحديثة.. تفكيك متلازمة “الصدقة العشوائية”
إن المسؤولية المجتمعية المعاصرة لا تعترف بـ”مظاريف التبرعات الموسمية” أو التظاهرات الاحتفالية؛ بل تُدار كعلم وهندسة عبر ركائز صارمة:
* الدمج في صميم الاستراتيجية: اقتطاع نسب مالية ثابتة من الموازنات السنوية وتوظيفها ضمن الأهداف التشغيلية للمؤسسة.
* إشراك أصحاب المصلحة (Stakeholders): تحديد المجتمعات الحاضنة وفهم احتياجاتها عبر مسوحات ميدانية محكمة ترفض الوصاية والافتراضات المكتبية.
* المساءلة وقياس الأثر المجتمعي: إخضاع كل جنيه أو دولار لمؤشرات عائد اجتماعي واضحة؛ كم بئراً استدامت مياهه؟ وكم طالباً عاد لمقاعد الدراسة؟ وكم مركزاً صحياً تحول من مبنى خرساني إلى خدمة فعلية؟
* الشراكة الثلاثية الرشيدة: تكامل القطاع الخاص المُمول، مع الإشراف الحكومي التنظيمي، والخبرة الميدانية لمنظمات المجتمع المدني الأكثر التصاقاً بوجع الأرض.
ثالثاً: التجربة السودانية.. الفطرة الشعبية والتعثر المؤسسي
هل كانت الفكرة غريبة على السودان؟ على الإطلاق؛ بل إن السودان قدم تاريخياً أرقى نماذج المسؤولية المجتمعية الفطرية عبر ثقافة «النَّفِير»، و«الفَزْعَة»، والصناديق التكافلية الأهلية التي صهرت الوجدان الجمعي وجعلت المجتمع كفيلاً لنفسه دون انتظار معونة رسمية.
أما على الصعيد المؤسسي الحديث، فقد دخل المفهوم أبواب القطاعات السيادية (النفط، التعدين، والاتصالات) منذ تسعينيات القرن الماضي، ورافقه حراك تشريعي سعى لإلزام الشركات بتخصيص نسب من الإنتاج لمناطق الامتياز:
* قطاع التعدين والمعادن: أقرّت اللوائح والاتفاقيات تخصيص نسبة 1% من عائدات إنتاج الذهب لخدمة وتنمية المجتمعات المحلية في مناطق التعدين (في ولايات مثل نهر النيل، البحر الأحمر، والشمالية)، وهو بند كان يُفترض أن يدر مليارات الجنيهات سنوياً لمشاريع المياه والخدمات وتلافي أضرار التسمم بمادتي “السيانيد” و”الزئبق”.
* قطاع النفط: ألزمت اتفاقيات قسمة الاستكشاف والإنتاج (EPSA) الشركات الأجنبية والوطنية بإنشاء صناديق تنموية لمجتمعات حقول البترول (في غرب وجنوب كردفان ومناطق الإنتاج)، ورغم بناء بعض المدارس والمستشفيات، إلا أن غياب المأسسة والشفافية حوّل كثيراً منها إلى هياكل مهجورة تفتقر إلى الكادر التشغيلي.
* قطاع الاتصالات والمصارف: برزت مساهمات مقدرة لشركات الاتصالات الكبرى (التي كانت تخصص تاريخياً موازنات سنوية ضخمة للمسؤولية المجتمعية لترميم المستشفيات ودعم التعليم والجامعات)، بينما نشطت المصارف عبر نوافذ “صيغ التمويل الأصغر” الإلزامية التي حددها بنك السودان المركزي سابقاً بـ 12% من المحفظة التمويلية الإجمالية للمصارف لتشغيل الأسر المنتجة وصغار الحرفيين.
رابعاً: أين انقطعت السلسلة؟ تشريح الفجوة
رغم وفرة الموارد، واجه التطبيق العملي في السودان عوائق هيكلية شوهت مقاصد المفهوم:
* بيروقراطية وتسييس الصناديق: تحولت أموال المسؤولية المجتمعية في كثير من الأحيان من حق أصيل للمجتمعات المحلية المتضررة إلى “صناديق ريعية” تبتلعها المحليات في مصاريف تسييرية وأجور إدارية، أو تُوظف في شراء الولاءات وإسكات الاحتقانات المؤقتة.
* غياب دراسات الأثر البيئي والصحي: عانت مجتمعات مناطق التعدين التقليدي والشركات من إهدار بيئي مروع ومخاطر صحية فادحة لم تفلح المبادرات الخجولة للمسؤولية المجتمعية في جبر أضرارها؛ فالتنمية ليست حفر بئر بجوار حوض ترسيب مسمم!
* الموسمية والخلط بين البر والدور التنموي: ظلت مبادرات كثير من الشركات أسيرة للحملات الإعلانية الموسمية (قفة رمضان، القوافل العابرة)، بدلاً من الدخول في شراكات إنتاجية مستدامة تحول الفقير إلى منتج مستقل.
خامساً: ما بعد الحرب.. المسؤولية المجتمعية رافعةً لإعادة الإعمار
إن المرحلة التاريخية الاستثنائية التي يعيشها السودان اليوم—وسط تدمير البنية التحتية، وتشريد ما يزيد عن 14 مليون مواطن، وتراجع الإيرادات العامة للدولة بأكثر من 80%—تفرض إعادة صياغة جذرية للمسؤولية المجتمعية لتتحول من “نشاط هامشي” إلى «أداة إسناد استراتيجي لإعادة الإعمار والبقاء»:
* إلزام قطاع التعدين بحوكمة صارمة: في ظل الاعتماد شبه الكلي للدولة اليوم على صادرات الذهب والمعادن، يجب حصر عائدات نسبة الـ 1% المخصصة للمسؤولية المجتمعية، وتسييرها عبر مفوضيات مستقلة تُشرك ممثلي المجتمعات والشباب، لتوجيهها حصراً نحو صيانة شبكات الكهرباء، ودعم قطاع الصحة الوقائية، وترميم المنشآت الحيوية في الولايات الآمنة والمستقرة.
* تأسيس الصندوق القومي للتعافي المجتمعي: تدشين مظلة مشتركة تشترك فيها المصارف، وكبرى شركات الاتصالات والتصدير، ورجال الأعمال، لتمويل مشاريع العودة الآمنة للنازحين، وإسناد المزارعين الصغار بالبذور والتقاوي في المواسم الإنتاجية لدرء شبح المجاعة.
* تمكين منظمات المجتمع المدني والروابط الأهلية: إفساح المجال للجمعيات الوطنية والتكيات الشعبية والروابط الثقافية لقيادة التوزيع الميداني وتنفيذ المشروعات الحرفية، بعيداً عن القيود البيروقراطية؛ لكونها الأقدر على معرفة خبايا الوجع وتحديد أولويات المستحقين بالعدل والنزاهة.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن المسؤولية المجتمعية في فقه الاستخلاف وبناء الأوطان ليست هبةً يتفضل بها الغني على الفقير، ولا زينة دعائية تتجمل بها الشركات في صفحات الجرائد؛ بل هي “أمانة شرعية واستحقاق تنموي” يربط بين كفاءة الإنتاج وعدالة التوزيع.
إن السودان الخارج من أتون الحرب لا يملك ترف تبديد الموارد في المبادرات الارتجالية. وإن النوايا الصادقة لا تصنع واقعاً ما لم تدعمها المؤسسية الصارمة والرقابة النافذة. وحين ننجح في تحويل المسؤولية المجتمعية من مظاريف إغاثة عابرة إلى جسور للتنمية ومأسسة التكافل، سنكون قد وضعنا اللبنة الحقيقية لتعافي الاقتصاد، وصون كرامة إنسانه، وبناء وطن معافى يستحقه أهله الصابرون.

Comments (0)
Add Comment