شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
يقف العالم اليوم على أعتاب مرحلة فارقة من تاريخ التنمية الدولية، تشهد تحولاً جذرياً من نصوص الدعم التقليدي القائم على التبعية، إلى أفق متكافئ يتشكل عبر “التحالف العالمي للتعاون فيما بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي”. إن إطلاق هذه المنصة الطوعية بقيادة منظومة الأمم المتحدة وبإشراف مكتبها المخصص للتعاون بين بلدان الجنوب، بالتزامن مع الاحتفال بيوم الأمم المتحدة للتعاون فيما بين بلدان الجنوب وشعاره المحوري “تنامي التضامن: تحالف عالمي من أجل تنمية شاملة ومبتكرة”، يمثل اعترافاً صريحاً بتعاظم الوزن النسبي للبلدان النامية، وتحولها من مجرد مستهلك للحلول الجاهزة إلى صانع ومصدر لها.
تتجاوز أهمية إطلاق هذا التحالف في الوقت الراهن البعد الاحتفالي، لتلمس عمق الأزمات الهيكلية التي ترهق كاهل الاقتصاد العالمي. فعلى أعتاب الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي ظل انكماش الموارد المخصصة لتمويل التنمية، وتصاعد حدة أزمات الديون، وانفلات تكاليف الطاقة والغذاء، والتهديدات المناخية المتسارعة، يبرز التعاون الثلاثي كآلية مبتكرة تكسر جمود الأطر التقليدية. إن هذا النمط الساعي لربط خبرات بلدك النامي أو أكثر بتمويل وتقنيات طرف ثالث – سواء كان دولة متقدمة أو مؤسسة متعددة الأطراف – لا يسعى لإعفاء الدول المتقدمة من التزاماتها التاريخية، بل يوسع المظلة التمويلية ويمنح الجنوب الحق الأصيل في صياغة أولوياته المستقلة، دون الاعتماد على اشتراطات خارجية تمس السيادة أو المبادئ التنموية الراسخة منذ خطة عمل بوينس آيرس عام 1978.
في قلب هذا المشهد التنموي المتجدد، يتجلى دور السودان كعنصر فاعل ومحوري يمتلك مقومات استراتيجية تجعله حجر زايد في التحالف العالمي جديد. إن السودان، بموقعه الجغرافي الفريد كجسر رابط بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، وموارده الطبيعية المتمثلة في المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة والموارد المائية الضخمة، يقف في مقدمة الدول القادرة على قيادة مبادئ التضامن الجنوبي في مجالات حيوية مثل الأمن الغذائي، والزراعة المستدامة، والتكيف المناخي. إن نقل وتبادل الخبرات السودانية في التعامل مع البيئات الجافة وإدارة الموارد الطبيعية، بالكامل مع الشراكات التمويلية والتكنولوجية القادمة من دول خليجية ناهضة كقطر أو عبر الصناديق الدولية، يوفر نموذجاً عملياً للتكامل؛ حيث يتحول السودان من ساحة واعدة للفرص التنموية إلى شريك يقدم حلولاً إقليمية لمشاكل سلاسل الإمداد والغذاء التي تؤرق منظومة الجنوب بأكملها.
ولعل الأرقام الاقتصادية المتصاعدة تعكس هذا الثقل المتنامي؛ إذ بلغت قيمة التجارة بين بلدان الجنوب نحو 6.8 تريليونات دولار أمريكي، مع اتجاه أكثر من نصف صادرات الدول النامية إلى اقتصادات نامية أخرى، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 38% قبل ثلاثة عقود. كما قفزت حصة الاستثمار الأجنبي المباشر فيما بين بلدان الجنوب من 9% إلى 32% من إجمالي الاستثمار العالمي. غير أن تحويل هذه الأرقام والشبكات إلى مشروع تنموي ملموس يعتمد بالأساس على سد الفجوة بين العرض والطلب. وهنا تبرز القيمة المضافة للمنصة الجديدة عبر خلق “تشابك فعال” يقلل تكاليف التواصل، ويجعل من الشفافية وتقييم الأداء المالي والمؤسسي معياراً للمنافسة الشريفة بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
إن الرهان الحقيقي لنجاح هذا التحالف ينبغي ألا يُقاس بحجم التفاهمات المبرمة أو أرقام التمويل المعلنة فحسب، بل بمطاطية الحلول وقابليتها للتوطين، وبمدى قدرة المشروعات على تحسين الإنتاجية، وتوليد فرص العمل المستدامة، والحد من استنزاف رأس المال. إن تمكين القطاع الخاص، وتفعيل الذكاء الاصطناعي في إدارة الكوارث والزراعة والصحة العامة، واستثمار القدرات الخليجية والمبادرات الإفريقية والعربية – وفي صلبها دور السودان المحوري – هي الأدوات الحقيقية التي ستتضمن نقل دول الجنوب من مقعد المترقب إلى منصة القيادة والابتكار الشامل.