سودانير… حين ينهض الشعب لاستعادة أجنحة الوطن

 

 

في عُمق المشهد

د. ست البنات حسن

ليست الطائرات مجرد هياكل معدنية تعبر السماء، ولا الناقلات الوطنية شركات تجارية تُقاس قيمتها بعدد الرحلات والأرباح وحدها؛ ففي كثير من الدول تصبح شركة الطيران جزءًا من صورتها في العالم، ورايةً متحركة تحمل اسمها وهويتها إلى المطارات البعيدة. هكذا كانت “سودانير” في ذاكرة السودانيين: جناحًا للوطن، ونافذةً له على العالم، واسمًا يسبق المسافر السوداني إلى حيث يتجه.
سودانير –

نبذة تاريخية⁠
تأسست الخطوط الجوية السودانية عام 1946، وبدأت رحلاتها المنتظمة في العام التالي، لتصبح واحدة من أقدم شركات الطيران في أفريقيا والعالم العربي. وانطلقت بطائرات صغيرة تربط أجزاء السودان المترامية، ثم توسعت تدريجيًا، فدخلت طائرات “دوغلاس دي سي 3” الخدمة في خمسينيات القرن الماضي، وامتدت شبكة الرحلات إلى القاهرة وجدة وأسمرا، قبل أن تطلق الشركة خط “النيل الأزرق” إلى لندن عبر روما عام 1959.
وفي الستينيات كانت سودانير من أوائل الشركات الأفريقية التي أدخلت طائرات “فوكر 27″ ، ثم شغّلت طائرات البوينغ الصغيرة للطيران الداخلي ” ولقبت بالكوريلا” والبوينغ 707 و بوينغ 727 ذات المحركات الثلاثة ثم الإيرباص وربطت الخرطوم بعواصم أفريقية وعربية وأوروبية عديدة. وكان ظهور شعار “سودانير” في المطارات الدولية مصدر فخر للسودانيين، ودليلًا على أن بلادهم كانت حاضرة في فضاء النقل الجوي الإقليمي والدولي.
لكن ذلك التاريخ المضيء لم يواصل مساره الطبيعي. فقد تعرضت الشركة، مثل كثير من المؤسسات الوطنية، لسلسلة من الأزمات المتراكمة: ضعف التمويل، وتقادم الأسطول، وتبدل الإدارات، والتدخلات السياسية، وغياب التخطيط طويل المدى، ومحاولات الخصخصة التي لم تحقق النهضة الموعودة. ثم جاء الحظر الاقتصادي الأمريكي الذي فُرض على السودان منذ تسعينيات القرن الماضي ليضاعف الأزمة؛ إذ أعاق الوصول إلى قطع الغيار، وخدمات الصيانة، والتمويل والتحويلات المصرفية، وضيّق فرص شراء الطائرات أو استئجارها، خاصة أن صناعة الطيران العالمية مترابطة، ولا يمكن تشغيلها بكفاءة بعيدًا عن الشركات المصنّعة وشبكات التمويل والتأمين والصيانة الدولية.
وقد رفع الحظر الاقتصادي في عام 2017، لكن رفع القرار لم يكن كافيًا لإزالة الآثار التي تراكمت خلال عقدين. فالأساطيل لا تتجدد بمجرد صدور قرار سياسي، والكفاءات التي هاجرت لا تعود تلقائيًا، والثقة الدولية لا تُسترد إلا بالالتزام الصارم بمعايير السلامة والإدارة والشفافية. وما تزال شركات الطيران السودانية، ومنها سودانير، مدرجة في قائمة الاتحاد الأوروبي للسلامة الجوية، وهي قائمة تتصل بقدرة منظومة الطيران المدني على الوفاء بمعايير الرقابة والسلامة الدولية، وليست امتدادًا مباشرًا للحظر الاقتصادي. قائمة الاتحاد الأوروبي للسلامة الجوية – يونيو 2026⁠
ولم تكد البلاد تحاول لملمة آثار تلك الأزمات حتى جاءت حرب أبريل 2023، فأصابت قطاع الطيران في قلبه. فقد تعرض مطار الخرطوم الدولي ومنشآته وطائراته لدمار واسع، وأظهرت تحليلات صور الأقمار الاصطناعية تضرر عشرات الطائرات ونحو سبعين مبنى تابعًا للمطار، فضلًا عن الخسائر التي طالت مستودعات الوقود والبنية التحتية. وبذلك لم تعد أزمة الناقل الوطني منفصلة عن مأساة البلاد، بل أصبحت صورة مكثفة لما أصاب الدولة ومؤسساتها من إنهاك وتدمير. حجم الدمار في مطار الخرطوم⁠.

مبادرة تعيد القضية إلى المجتمع:

في هذا السياق تأتي المبادرة الشعبية لدعم نهضة وتطوير الناقل الوطني “سودانير”، بوصفها محاولة لجمع الإرادة الشعبية مع القرار الرسمي حول هدف وطني محدد. ويرعى المبادرة نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار إير، بينما يترأس لجنتها الشعبية الأستاذ جمال عنقرة.
وقد أكد مالك عقار أهمية توحيد الجهود الشعبية والرسمية لاستعادة سودانير، باعتبارها عنوانًا للشخصية السودانية وإرثًا وطنيًا، كما أعلن عزمه إجراء اتصالات مع الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة العدل، للإسراع في إصدار قانون الناقل الوطني، مع العمل على تذليل العقبات وتعديل التشريعات التي تعوق قدرة الشركة على العودة إلى المنافسة الإقليمية والدولية. تفاصيل تحركات المبادرة⁠
وتكتسب المبادرة أهميتها من أنها لا تنظر إلى سودانير باعتبارها شأنًا حكوميًا مغلقًا، وإنما قضية وطنية تتصل بالمواطنين داخل البلاد وبملايين السودانيين في الخارج. فالناقل الوطني القوي يمكن أن يربط أقاليم السودان، ويخدم حركة المغتربين والحجاج والمعتمرين والطلاب، ويدعم التجارة والسياحة، ويسهم في نقل الصادرات ذات القيمة العالية والسريعة التلف، فضلًا عن دوره في أوقات الكوارث والإجلاء ونقل المساعدات.
لكن المبادرة، مهما بلغت حرارة العاطفة الوطنية حولها، لن تنجح بالشعارات والتبرعات وحدها. فالطيران من أكثر الصناعات تعقيدًا وكلفةً وحساسيةً تجاه الأخطاء. وشراء طائرة لا يعني امتلاك شركة طيران ناجحة؛ إذ تتطلب الطائرة صيانة دورية، وتأمينًا، وقطع غيار، وأطقمًا مدربة، وأنظمة حجز وتشغيل، وشبكة خطوط مدروسة، وشهادات سلامة، وقدرة مستمرة على الوفاء بالالتزامات المالية والفنية.
ومن هنا ينبغي أن تنتقل المبادرة من مرحلة استنهاض الحماس إلى بناء مشروع مؤسسي واضح، يقوم على عدة مرتكزات.
أولا، إعداد خطة فنية واقتصادية معلنة تحدد الوضع الحقيقي لأصول سودانير وديونها وأسطولها وحقوقها وممتلكاتها، وتوضح عدد الطائرات المطلوبة، وأنسب طرق الحصول عليها، سواء بالشراء أو الإيجار التشغيلي، والخطوط التي يمكن أن تبدأ بها الشركة وتحقق من خلالها عائدًا قابلًا للاستمرار.
وثانيا، وضع حوكمة صارمة تحمي الشركة من التدخل السياسي والمحاصصة والتعيينات غير المهنية. فقد كان لتبدل الإدارات وإسناد بعض المواقع لغير أهل الخبرة من الأسباب التي أضعفت الناقل الوطني. وليس من المعقول أن يدعو المواطن إلى إنقاذ سودانير، ثم تعود الشركة إلى البيئة الإدارية نفسها التي أسهمت في أزمتها.
وثالثا، إنشاء آلية مالية شفافة إذا فُتح باب المساهمة الشعبية، بحيث تُجمع الأموال في حساب معلوم، وتخضع لمراجعة مستقلة، وتُنشر تقارير دورية توضح حجم المساهمات وأوجه صرفها. فالثقة هي الوقود الأول لأي مبادرة شعبية، وإذا اهتزت مرةً تعذر استعادتها.
ورابعا، ألا يقتصر قانون الناقل الوطني على منح سودانير حماية شكلية أو امتيازات احتكارية؛ لأن الحماية من دون إصلاح قد تحول الشركة إلى مؤسسة تعتمد على الدولة ولا تتطور. المطلوب قانون يمنحها أولوية عادلة في المهام السيادية والرسمية، ويحمي أصولها واسمها، ويضمن استقلال إدارتها، لكنه يُلزمها في الوقت نفسه بالكفاءة والمحاسبة ومعايير السلامة والمنافسة.
وخامسا استدعاء خبرات السودانيين العاملين في شركات الطيران والمطارات وهيئات السلامة داخل السودان وخارجه. فبلادنا تمتلك طيارين ومهندسين وفنيين وخبراء في الإدارة والتشغيل الجوي يعملون في مؤسسات إقليمية ودولية كبرى. وهؤلاء ليسوا مجرد ممولين محتملين، بل يمثلون معرفةً وخبرةً وشبكات علاقات يحتاج إليها المشروع أكثر من حاجته إلى الخطابات الاحتفالية.
ليست استعادة للماضي بل تأسيس للمستقبل
إن الحنين إلى أيام ازدهار سودانير مفهوم ومشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإعادة إنتاج شركة الماضي كما كانت. لقد تغير عالم الطيران، واشتدت المنافسة، وارتفعت تكاليف التشغيل، وأصبحت الشركات الناجحة تعتمد على نماذج اقتصادية دقيقة وتحالفات وشراكات وأنظمة رقمية متطورة.
لذلك فإن نهضة سودانير لا تعني فقط أن نرى طائرة تحمل علم السودان، بل أن نرى مؤسسة تحترم مواعيدها، وتحفظ حقوق مسافريها، وتلتزم بمعايير السلامة، وتدير مواردها بكفاءة، وتخضع للمحاسبة، وتستطيع الاستمرار دون أن تصبح عبئًا دائمًا على خزينة الدولة.
المبادرة الشعبية خطوة تستحق الدعم، لأنها تعيد إلى السودانيين الإحساس بأن مؤسساتهم الوطنية ليست ملكًا للحكومات وحدها، بل جزء من تاريخهم وحقوق الأجيال القادمة. غير أن أعظم دعم يمكن تقديمه لسودانير ليس جمع المال فحسب، وإنما بناء ضمانات تحول دون تكرار أسباب انهيارها.
لقد ظلت سودانير عقودًا تحمل السودان إلى العالم، وربما حان الوقت لأن يحملها السودانيون؛ لا بعاطفتهم وحدها، بل بوعيهم وخبراتهم ورقابتهم وإصرارهم على أن تكون عودتها مختلفة: عودة مؤسسة وطنية حديثة، لا مجرد اسم عريق على طائرة مستأجرة.
وحين تستعيد سودانير أجنحتها، لن تكون وحدها التي عادت إلى السماء؛ بل سيشعر السودانيون أن وطنًا أنهكته الأزمات والحروب قد بدأ، هو الآخر، يسترد قدرته على النهوض والتحليق.

Comments (0)
Add Comment