السودان من الاستقلال الى الحرب.
بسم الله الرحمن الرحيم
(حين غابت الرؤية وبقيت القيم بلا حملة) .
حين نال السودان استقلاله، لم يكن وطنًا بلا قادة، بل كان عامرًا بالرموز، زاخرًا بالزعامات الدينية والوطنية التي صنعت الوعي، وحملت راية التحرر، وجمعت الناس على كلمة سواء كانت تلك الزعامات مدارس في الإيمان، ومصابيح في الطريق، ومرجعيات أخلاقية قبل أن تكون سياسية ولولاها ما كان للاستقلال أن يتحقق، ولا للهوية الوطنية أن تتشكل غير أن التاريخ، وهو يمضي، لا يكتفي بالأمجاد، بل يسأل عن الاستمرار.
(زعامات عظيمة ورسالة لم تكتمل)
لم تكن الزعامات الديني والتاريخية في السودان يومًا موضع شك أو انتقاص، فهي التي حفظت النسيج الاجتماعي، وصانت السلم الأهلي، وربطت الدين بالوطن، والروح بالأرض لكنها بحكم طبيعة الزمن وتعقيد الدولة الحديثة وجدت نفسها أمام تحدٍ جديد:
كيف تنتقل من قيادة الناس إلى بناء المؤسسات؟ وكيف تتحول الحكمة إلى برنامج، والرمزية إلى مشروع مستدام؟
لقد أدّت تلك الزعامات واجبها في مرحلة التحرر والتأسيس القيمي، لكنها لم تُتح لها أو لم تسعفها الظروف و الفرصة الكاملة لإعداد من يحمل الرسالة من بعدها، لا بالاسم ولا بالانتماء، بل بالوعي والكفاءة والبصيرة.
(الفراغ حين يغيب الحكماء)
وحين يغيب الحكماء، لا يفرغ المكان فقط، بل يضطرب الميزان لم يكن غياب الزعامات التاريخية غياب أشخاص، بل غياب منهج في القيادة، وغياب مدرسة تُخرّج رجال دولة، وتعلّم معنى الخلافة لا الوراثة، ومعنى المسؤولية لا الوجاهة.
فدخل السودان زمن التيه، لا لأن قيمه ضعفت، بل لأن من يحملها لا يحمل نفس الكاريزما أو الحنكة السياسية وتقدمت الأصوات العالية على العقول الراجحة، وغابت الحكمة، وحضرت المغالبة.
السياسة حين انفصلت عن الأخلاق في ذلك الفراغ، تسللت السياسة بلا ضمير، وانفصلت السلطة عن القيم التي كانت الزعامات الدينية تحرسها و لم تعد القيادة تكليفًا، ولم يعد الوطن أمانة، بل ساحة صراع ومع ضعف الأحزاب ، وانقسام الصف، أصبح السلاح لغة، والانقلاب وسيلة، حتى تكرّست القطيعة بين الدولة وأهلها.
( الحرب نتيجة لا مفاجأة )
لم تأتِ الحرب فجأة، بل جاءت متعبة، مثقلة بأخطاء السنين جاءت حين غابت المرجعيات الجامعة، وتلاشت القيادة التي تُطفئ الفتن قبل اشتعالها، وتُقدّم المصلحة العامة على المكاسب الضيقة. الحرب لم تكن قدر السودان، بل شهادة قاسية على غياب الزعامات الراشدة، وعلى أن القيم إذا لم تجد من يحملها تحولت إلى ذكريات.
( وفاء للماضي ومسؤولية تجاه المستقبل )
إن الوفاء للزعامات الدينية والتاريخية لا يكون بتمرير التجربة كما هى ، بل بأستكمالها ولا يكون بحفظ الأسماء، بل بحفظ المعاني التي عاشوا من أجلها وهى الزهد في السلطة، والخدمة قبل السيادة، والوطن قبل الجماعة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى رموز جديدة فحسب، بل إلى رجال ونساء يتربّون على معنى الخلافة الوطنية، ويجمعون بين الإيمان والعلم، وبين الحكمة والجرأة، وبين الأصالة وروح العصر.
ما بين الاستقلال والحرب، لم يخن السودان قيمه، بل تُركت قيمه بلا حُماة وستظل الزعامات الدينية في وجدان هذا الوطن منارات هداية، لكن المنارة لا تكفي إن لم يكن هناك من يسير على ضوئها.
إن خلاص السودان يبدأ حين نُعيد وصل القيادة بالأخلاق، والدولة بالقيم، والتاريخ بالمستقبل وحين ندرك أن أعظم تكريم للعظماء هو أن نُحسن حمل الأمانة من بعدهم.
اللهم احفظ السودان وأهله،واكفف عنه بأس الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجمع شتات قلوب بنيه على الحق والعدل والرحمة اللهم اربط على قلوب الأمهات، واشفِ الجرحى، وارحم الشهداء .
وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه،
واجعل لهذا الوطن نصيبًا من السكينة، ونهايةً قريبةً لهذا البلاء،إنك على كل شيء قدير.
السيد عبد الله المحجوب الميرغنى
شيخ عموم الطريقة الميرغنية الختمية
عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية
التاريخ ٢٠٢٦/١/٢