اقتصاد المبالغة: كيف تُباع الأشياء العادية بأسعار غير عادية؟

85

العدد الأسبوعي رقم 239 –  الجمعة 20 فبراير 2026

اقتصاد المبالغة: كيف تُباع الأشياء العادية بأسعار غير عادية؟

اضغط هنا لتصفح النشرة من الموقع

صباح الخير قراءنا الكرام،

أصبح اقتناء المنتجات الفاخرة وعرضها بشكل بارز جزءًا أساسيًّا من أنماط الحياة الحديثة، سواء في المجتمعات الغنية أو في الدول النامية. ومع ظهور شريحة جديدة من المستهلكين الشباب ذوي الدخل المرتفع والميل إلى الإنفاق، لم تعُد المنتجات الفاخرة حكرًا على الأغنياء فقط، بل أصبح الوصول إليها متاحًا لقطاعات أوسع من المجتمع.

كما يتضح أن المستهلكين يسعون إلى تحقيق مجموعة متنوعة من الأهداف؛ فبينما يحرص بعضهم على اقتناء منتجات فريدة وحصرية لا يمتلكها الآخرون، يعتمد الجزء الأكبر من السوق على الطلب الجماهيري؛ مما يؤدي إلى نشوء شرائح متنوعة من المنتجات والمستهلكين. ويعكس هذا التنوع أن سلوك استهلاك الفخامة أصبح متعدد الأبعاد ومعقدًا؛ إذ تتجاوز دوافعه الوظيفة العملية للمنتج لتشمل الرمزية الاجتماعية المرتبطة بالمكانة والهوية.

يتضح أنه في عام 2025 أصبحت ظاهرة شراء المنتجات العادية بأسعار مبالغ فيها أكثر وضوحًا، لا سيما في سوق السلع الفاخرة المرتبطة بالموضة ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حقيبة من علامة (Balenciaga) صُمِّمت على شكل كوب قهوة، وبلغ سعرها نحو 4346 جنيهًا إسترلينيًّا. كما طُرحت حقيبة من علامة (Moschino) على شكل علبة عصير برتقال بسعر 1541 جنيهًا إسترلينيًّا.

وتعكس هذه المنتجات قدرة الأثرياء على دمج استهلاك السلع اليومية ضمن نمط حياتهم مع الحفاظ على التميز والخصوصية، كما تُبرز كيفية توظيف الرمزية الاجتماعية والموضة لتبرير الأسعار الباهظة. وترتبط هذه الظاهرة في الوقت ذاته بارتفاع أسعار السلع الأساسية، بما يوضح اتساع فجوة القوة الشرائية بين الأغنياء وبقية المستهلكين.

هذا، وقد أثارت منتجات صغيرة وبسيطة، مثل كوب (Bearista) على شكل دب من ستاربكس، موجة من الفوضى في بعض المتاجر؛ إذ طُرح الكوب في البداية في كوريا الجنوبية بسعر 30 دولارًا، ثم نفد لاحقًا من جميع الفروع في الولايات المتحدة بعد تسابق العملاء على شرائه، وهو ما أدى إلى مشاحنات مع الموظفين وخلافات بين الزبائن في أثناء الانتظار في الصفوف. وقد انتشرت هذه الأحداث على منصة (TikTok) وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث شارك العملاء تجاربهم في الحصول على المنتج، بينما أُعيد بيع بعض هذه الأكواب لاحقًا على موقع eBay بأسعار مرتفعة للغاية.

ونشأت ظاهرة مماثلة مع لعبة (Labubus)؛ حيث أصبح البحث عن هذه الألعاب الصغيرة نشاطًا بحد ذاته على منصتي (TikTok) و (YouTube). كما أسهمت ردود الفعل العاطفية المصاحبة لفتح صناديق لعبة (Labubus) العشوائية (blind boxes) في إضافة قيمة رمزية وغامضة للمنتج، محوِّلةً عملية الشراء إلى تجربة متكاملة. وفي بعض الحالات، شملت هذه الظاهرة مواجهات أو حتى سرقة هذه الألعاب؛ مما أسهم في زيادة الاهتمام بها وانتشارها على نطاق واسع عبر الإنترنت.

وعلى الرغم من أن هذه المنتجات تُعد منخفضة السعر في أصلها، فإن الوقت والجهد المبذولين للحصول عليها يعكسان رمزية اجتماعية كبيرة. فقد أصبح الانتظار في الطوابير، والبحث في المتاجر، والمشاركة في التحديات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسائل لإظهار الانتماء والمكانة داخل جماعات استهلاكية معينة.

  • القسم الأول: الواقع الاقتصادي للمنتج

  • القسم الثاني: الوهم التسويقي وصناعة القيمة

  • القسم الثالث: المستهلك بين الانجذاب والتقليد

  • القسم الرابع: الاستهلاك الواضح والنزعة الاستهلاكية

اضغط هنا للتواصل معنا

أولًا: تكلفة الإنتاج الفعلية

تشير تكلفة الإنتاج الفعلية إلى إجمالي التكاليف التي تتحملها المنشأة من أجل إنتاج سلعة أو تنفيذ طلب معين. وتتكون تكلفة الإنتاج، وفقًا للمحاسبة الصناعية، من ثلاثة عناصر رئيسة، هي: تكلفة المواد الخام المباشرة، وتكلفة العمل المباشر، وتكلفة الأعباء الصناعية غير المباشرة (Factory Overhead Cost). ويؤدي تجاهل أي من هذه العناصر إلى تشويه تقدير التكلفة الحقيقية للمنتج، ومن ثَم إلى تسعير غير دقيق لا يعكس الواقع الاقتصادي الفعلي.

  • تكلفة المواد الخام المباشرة: هي تكلفة جميع المواد التي يتم استخدامها مباشرة في إنتاج المنتج أو تقديم الخدمة. تُحسب بناءً على كمية المواد المستخدمة وسعرها في السوق، وتشكل جزءًا أساسيًّا من تكلفة الإنتاج الكلية لأنها تعكس الموارد المادية المستهلكة بشكل مباشر.

  • تكلفة العمالة المباشرة (الأجور): هي الأجور التي تُدفع للموظفين أو العمال الذين يساهمون مباشرة في عملية إنتاج المنتج أو تقديم الخدمة. وتشمل هذه التكلفة الرواتب والأجور المربوطة مباشرة بعدد ساعات العمل أو كمية الإنتاج، وتُعَد من العناصر الأساسية لتحديد تكلفة الإنتاج الإجمالية.

  • التكاليف غير المباشرة للإنتاج (Factory Overhead Costs): هي التكاليف التي لا يمكن تحميلها مباشرة على منتج معين، لكنها لازمة لاستمرارية الإنتاج أو تقديم الخدمة. وتشمل هذه التكاليف استهلاك المعدات، وصيانة الآلات، والإيجارات، والمرافق، والرواتب الإدارية، والمصروفات العامة الأخرى. وعادةً ما يتم توزيع هذه التكاليف على المنتجات أو الخدمات باستخدام قواعد تخصيص محددة لضمان دقة حساب تكلفة الإنتاج.

وعلى الرغم من أن تكلفة الإنتاج الفعلية تمثل الأساس الاقتصادي الموضوعي لتسعير المنتج، فإن السعر الذي يُطرح به المنتج في السوق لا يتحدد بالضرورة وفق هذه التكلفة وحدها، بل يتأثر بدرجة كبيرة بعوامل إدراكية ونفسية تتعلق بتقييم المستهلك للقيمة التي يحصل عليها.

ثانيًا: القيمة المدركة

تُعرَّف القيمة المدركة بأنها التقييم الذي يقوم به المستهلك لقيمة المنتج أو الخدمة بناءً على مدى قدرتها على تلبية احتياجاته وتوقعاته، لا سيما عند مقارنتها بالبدائل المنافسة في السوق. ولا يعتمد هذا التقييم على التكلفة الفعلية للإنتاج، بل على الانطباع العام الذي يتكوَّن لدى المستهلك حول ما يحصل عليه مقابل السعر الذي يدفعه.

تلعب القيمة المدركة دورًا أساسيًّا في قرارات الشراء والتسعير؛ حيث إن السعر الذي يقبله المستهلك غالبًا ما يعكس ما يشعر به من منفعة ورضا متوقع، وليس ما يكلفه المنتج فعليًّا. وحتى القرارات السريعة التي يتخذها المستهلك داخل المتجر تتضمن عملية تقييم ذهني لقدرة المنتج على إشباع الحاجة وتحقيق الرضا مقارنة بمنتجات أخرى تحمل علامات تجارية مختلفة.

وفي هذا السياق، يسعى المسوقون إلى التأثير المباشر على القيمة المدركة من خلال التركيز على خصائص معينة للمنتج، مثل: الجودة، والتصميم، وسهولة الاستخدام، إلى جانب إبراز المنافع الوظيفية والعاطفية والاجتماعية التي يقدمها. ونتيجة لذلك، يصبح المنتج في نظر المستهلك أكثر تميزًا؛ مما يبرر قبول سعر أعلى حتى وإن لم تتغير تكلفة الإنتاج.

ويأخذ تسعير العديد من المنتجات القيمة المدركة في الاعتبار؛ إذ قد يكون السعر مرتبطًا بالجاذبية العاطفية للمنتج أكثر من ارتباطه بالتكلفة الفعلية. فبعض المنتجات تُسعَّر بناءً على الشعور الذي تمنحه للمستهلك، سواء كان إحساسًا بالراحة أو الثقة أو التميز، وهو ما يعكس أحد مظاهر اقتصاد المبالغة في الأسواق الحديثة.

كما تتشكل القيمة المدركة من خلال مفهوم “المنفعة” أو “Utility“، التي تمثل الفوائد الإضافية التي يتوقع المستهلك الحصول عليها من استخدام المنتج. وتشمل هذه المنافع المنفعة الشكلية المرتبطة بالتصميم الجذاب، والمنفعة الوظيفية التي توفر الوقت أو الجهد، والمنفعة الزمنية المتعلقة بسهولة الوصول، والمنفعة المكانية المرتبطة بقرب المنتج، إضافة إلى منفعة التملك التي تُسهّل عملية الشراء.

وتظهر هذه الآلية بوضوح في العلامات التجارية المعروفة والمنتجات الفاخرة؛ حيث تُبنى القيمة المدركة على الصورة الذهنية والمكانة الاجتماعية المرتبطة بالمنتج، وليس على وظيفته الأساسية فقط. ففي هذه الحالة، لا يدفع المستهلك ثمن المنتج ذاته بقدر ما يدفع ثمن الإحساس المرتبط بامتلاكه، وهو ما يفسر بيع منتجات عادية بأسعار غير عادية تفوق تكلفتها الفعلية بكثير.

وعليه، فإنه بناءً على القيمة المدركة للمنتج، قد يفرض البائعون أسعارًا تتجاوز التكلفة الفعلية؛ مما يؤدي إلى ظاهرة التسعير المفرط.

المصدر

ثالثًا: التسعير المفرط

التسعير المفرط هو فرض سعر أعلى بكثير من السعر المرجعي/سعر السوق للمنتج أو الخدمة مقارنة بالقيمة الفعلية أو تكلفة الإنتاج، بحيث يصبح السعر غير عادل بالنسبة للمستهلكين. ويستغل هذا النوع من التسعير المستهلكين؛ حيث يشعرون أنهم يدفعون أكثر مما ينبغي مقابل ما يحصلون عليه. ويمكن للشركات التي تمتلك موقعًا قويًّا في السوق الاستفادة من وضعها لزيادة أرباحها على حساب العملاء، خاصة إذا لم تكن هناك منافسة قوية تضغط على الأسعار.

ويمكن قياس السعر المفرط من خلال مقارنة السعر بتكلفة الإنتاج أو بأسعار مماثلة في أسواق أخرى أو فترات زمنية مختلفة. وعندما يكون الفارق بين السعر المفروض والسعر المرجعي كبيرًا، يُعتبر السعر مبالغًا فيه، حتى وإن كان المستهلك قد يقبل الدفع ظاهريًّا. وتؤثر هذه الممارسة سلبًا على رضا المستهلك وثقته في السوق، وقد تجعل المستهلكين يشعرون بعدم العدالة في المعاملة الاقتصادية.

عمليًّا، لا يشمل التسعير المفرط المنتجات الأساسية فقط، بل قد يظهر أيضًا في السلع الفاخرة أو الخدمات المتميزة؛ حيث قد يقبل بعض المستهلكين دفع مبالغ أعلى ظنًّا منهم أنهم يحصلون على جودة أعلى. ومع ذلك، إذا أصبح السعر مبالغًا فيه بشكل واضح عن القيمة الحقيقية، فإنه يُعد استغلالًا للمستهلكين ويؤثر على سلوكهم الشرائي، وقد يدفعهم للبحث عن بدائل أكثر عدالة.

وفي مواجهة التسعير المفرط، يظهر مفهوم السعر العادل الذي يسعى إلى تصحيح التوازن بين القيمة المدركة والتكلفة الفعلية.

رابعًا: السعر العادل

السعر العادل يتجاوز الرقم المدون على بطاقة السعر؛ فهو اتفاق على القيمة بين المشتري والبائع. ويمثل هذا السعر صفقة يشعر فيها الطرفان بأن التكلفة مناسبة، ومتوافقة مع جودة المنتج وما يحصل عليه المستهلك، ويعكس إحساسًا داخليًّا بالعدالة الاقتصادية. ويؤثر هذا الإحساس بالإنصاف مباشرة على رضا المستهلك واستعداده للشراء مرة أخرى، كما يعزز الثقة والولاء بين الشركة والعملاء، ويُعَد مكوّنًا أساسًا لعلاقة مستدامة على المدى الطويل.

ولا يقتصر مفهوم السعر العادل على تكلفة المواد الخام فحسب، بل يشمل مجموعة من العناصر التي تؤثر في تقدير المستهلك لقيمة المنتج، ومن أبرزها:

  • نسبة الجودة إلى التكلفة: تقييم ما إذا كانت الصنعة والمتانة والوظيفة تبرر السعر المدفوع.

  • الشفافية في الإنتاج: معرفة كيفية ومكان تصنيع المنتج، بما في ذلك ممارسات العمل الأخلاقية والمصادر البيئية المستدامة.

  • رفاهية المنتجين: التأكد من حصول المزارعين والحرفيين والعمال على أجر عادل؛ مما يعكس العدالة الاقتصادية الجماعية.

  • التكاليف البيئية: تضمين تكاليف الاستدامة وتقليل التلوث في السعر؛ مما يعكس الالتزام بالممارسات الصديقة للبيئة.

اعتماد عقلية السعر العادل يجعل التسوق جزءًا من قيمنا الشخصية؛ إذ يعكس دعمنا للأعمال التجارية التي تتماشى مع إحساسنا بالعدالة، مثل شراء منتجات تضمن أجرًا مناسبًا للمنتجين أو ملابس من علامات تجارية تراعي الاستدامة البيئية. ورغم صغر هذه الاختيارات، فإنها تُسهم في توجيه الطلب نحو ممارسات أكثر أخلاقية واستدامة، كما تمنح المستهلك شعورًا بالرضا وتقليل الصراع النفسي الناتج عن عدم توافق الأفعال مع القيم الشخصية، محوّلةً الاستهلاك إلى جزء إيجابي من أسلوب الحياة المستدام.

ويزداد تعقيد إدراك السعر العادل عندما يقارن المستهلك بين المنتجات المحلية والمستوردة، حيث تتداخل عوامل التكلفة والجودة والقيمة المدركة والرمزية الاجتماعية.

خامسًا: الفرق بين المنتجات المستوردة والمحلية وعوامل اختيار المستهلك

المنتجات المستوردة هي السلع أو الخدمات التي تُنتج في دولة أخرى وتُدخل إلى الدولة للبيع أو للاستخدام، مثل الإلكترونيات والملابس والمواد الغذائية. ويتم استيراد هذه المنتجات من خلال اتفاقيات تجارية دولية، أو مشتريات فردية، أو عمليات استيراد تقوم بها الشركات.

بالمقابل، تُنتج المنتجات المحلية داخل الدولة نفسها وتُستهلك فيها، مثل السيارات والأثاث والمنتجات الزراعية. وتخضع هذه المنتجات لقوانين وتنظيمات الدولة، وقد تتأثر بالرسوم الجمركية إذا تم تصديرها إلى دول أخرى.

يعتمد اختيار المستهلك بين المنتج المحلي والمستورد على السياق والظروف المحيطة. فمثلًا، من حيث التكلفة، قد تكون المنتجات المستوردة أرخص أحيانًا بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج في الخارج، بينما قد تكون المنتجات المحلية أقل تكلفة عند احتساب تكاليف النقل.

أما من حيث الجودة، فقد تتميز المنتجات المستوردة بالتكنولوجيا والخبرة المتقدمة، بينما قد تكون المنتجات المحلية أفضل في بعض الحالات إذا كانت القوانين والمعايير أكثر صرامة. كما يلعب التوافر دورًا مهمًّا؛ إذ قد تكون بعض المنتجات المستوردة الخيار الأفضل، بينما تكون المنتجات المحلية أسهل في الوصول إليها.

بالإضافة إلى ذلك، يؤثر الولاء للعلامة التجارية والسياسة المحلية على اختيار المستهلك؛ حيث يفضل بعض العملاء دعم المنتجات المحلية كنوع من الوطنية أو لتجنب دعم اقتصاد دول أخرى في أوقات التوتر السياسي أو النزاعات التجارية.

وبالنظر إلى هذه الاختلافات، يتضح أن لكل من المنتجات المستوردة والمحلية مزايا وعيوب. فالمنتجات المستوردة قد توفر سلعًا فريدة أو متطورة، بينما غالبًا ما تقدم المنتجات المحلية جودة أعلى وتدعم الاقتصاد الوطني. لذلك، من المهم أن يقوم المستهلكون بتقييم أولوياتهم واتخاذ قرارات شراء مدروسة، مبنية على السياق والاحتياجات الخاصة بهم.

المصدر

أولًا: دور الإعلان في تضخيم صورة المنتج

أصبحت إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي من الأدوات التسويقية الرئيسة في الوقت الحالي؛ حيث تؤدي دورًا كبيرًا في تعزيز صورة المنتج في ذهن المستهلك. وعندما تتوجه الشركات للإعلان عن منتجاتها عبر منصات مثل إنستجرام وفيسبوك، فإنها تسعى إلى خلق تصور مثالي للمنتج لدى المستهلكين؛ مما يعزز القيمة المدركة للمنتج. وتروِّج الشركات للمنتجات باستخدام صور جذابة ورسائل عاطفية، مع التركيز على التجربة العاطفية التي يوفرها المنتج للمستهلك، بدلًا من الاقتصار على الوظيفة الأساسية للمنتج. كما تُظهر بعضُ الإعلانات المنتجَ كرمز للرفاهية أو التفرد؛ مما يجعل المستهلك يعتقد أن هذا المنتج ليس مجرد سلعة، بل يمثل أسلوب حياة وهوية اجتماعية.

تعتمد هذه الاستراتيجية على العنصر العاطفي في التسويق؛ إذ تسعى إلى إنشاء ارتباط عاطفي بين المستهلك والمنتج، بدلًا من التركيز فقط على الفوائد الوظيفية البسيطة. على سبيل المثال، في مجال المنتجات الفاخرة، قد لا يُعرض المنتج كأداة وظيفية فحسب، بل يُروج له كإشارة إلى أسلوب حياة يُظهر التفوق والمكانة الاجتماعية. فمثلًا، قد يظهر إعلان سيارة فاخرة مثل مرسيدس بنز أو رولز رويس بمشاهد تجمع بين الرفاهية والحياة العصرية؛ مما يعزز الشعور بأن المنتج ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو رمز للمكانة الاجتماعية.

ويستند الجانب النفسي لهذه الاستراتيجية إلى ما يُعرَف بـ“تضخيم الصورة” للمنتج؛ حيث تستفيد الإعلانات من الصور الجذابة والبيئة المحيطة التي يُعرض فيها المنتج. فعندما يُعرض المنتج ضمن مشهد فخم أو محاط بحياة مترفة، يعتقد المستهلكون أنه يعكس أعلى معايير الجودة. وتُطبق هذه الطريقة ليس فقط على المنتجات الفاخرة، بل أيضًا على المنتجات اليومية؛ إذ تركز الإعلانات على كيفية تحسين المنتج لحياة المستهلك وتحقيق شعور بالتفوق الاجتماعي.

كما تُستخدم الحملات العاطفية في الإعلان؛ حيث تركز على مشاعر الانتماء إلى المجتمع. فعند مشاهدة إعلان على وسائل التواصل الاجتماعي لمنتج من علامة تجارية شهيرة، يشعر المستهلك بأنه جزء من مجموعة اجتماعية تشترك في القيم والاهتمامات نفسها؛ مما يعزز الولاء للعلامة التجارية، ويجعل المستهلك أكثر استعدادًا للاستمرار في الشراء وتحفيزه على التوصية بالمنتج للآخرين.

وتتميز إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي بقدرتها على التفاعل المباشر مع الجمهور؛ مما يجعل المستهلك يشعر بأنه جزء من الحملة الدعائية ويعزز شعوره بالانتماء إلى العلامة التجارية. على سبيل المثال، عندما يُشجع الجمهور على المشاركة في مسابقات أو تجارب تفاعلية، يصبح أكثر استعدادًا لشراء المنتج لأنه يشعر بالانتماء إلى المجموعة. وإذا نجحت الإعلانات في جعل المستهلكين يشعرون بأنهم جزء من قصة أكبر أو مجموعة خاصة، تصبح الحوافز العاطفية أكثر تأثيرًا.

ثانيًا: استخدام المؤثرين وصناع المحتوى

في عصر التسويق الرقمي، يُعد المؤثرون وصناع المحتوى من أقوى الأدوات التسويقية التي تؤثر بشكل كبير في القيمة المدركة للمنتجات؛ إذ يمتلك المؤثرون على منصات مثل إنستجرام ويوتيوب متابعين موالين يثقون بآرائهم؛ مما يجعل هؤلاء المؤثرين جسرًا بين العلامات التجارية والمستهلكين. ويُنظر إلى المؤثرين على أنهم شخصيات موثوقة؛ حيث يعول المتابعون على توصياتهم ويثقون بها. ويمكن للمؤثرين تعزيز مصداقية المنتجات بشكل كبير من خلال ربطها بأسلوب حياتهم وتجاربهم الشخصية؛ فبدلًا من عرض المنتج بشكل تقليدي في إعلان، يقوم المؤثرون بتقديمه كجزء من تجربتهم اليومية؛ مما يجعل المستهلكين يشعرون أن المنتج أصبح جزءًا من حياتهم.

لا يقتصر دور المؤثرين على الترويج للمنتجات فحسب، بل يتعداه إلى تعزيز القيم الاجتماعية التي يفضلها الجمهور. فمن خلال هذه الشراكات، يُسهِم المؤثرون في زيادة الوعي بالمنتجات وجذب المتابعين للتفاعل مع العلامة التجارية بشكل أعمق. على سبيل المثال، في مجالات مثل الجمال والصحة، يعرض المؤثرون منتجات التجميل والمكملات الغذائية على أنها جزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية. وتضفي هذه التجارب الشخصية على المستهلكين إحساسًا بأنهم سيحصلون على الفوائد نفسها عند شراء المنتج؛ مما يشجعهم على الشراء.

علاوة على ذلك، يعزز المؤثرون الارتباط العاطفي بين المستهلكين والمنتج؛ مما يحول السلعة إلى رمز اجتماعي يساعد في تحسين أسلوب حياة المستهلك. ويُعَد هذا النوع من التسويق أكثر تأثيرًا من الإعلانات التقليدية التي تركز فقط على خصائص المنتج؛ إذ يعرض المؤثرون منتجاتهم كجزء من أسلوب حياة مميز يتبناه جمهورهم؛ مما يزيد من شعور المستهلكين بالانتماء الاجتماعي.

كما يسهم المؤثرون في تحفيز السلوك الشرائي من خلال مشاركة تجاربهم الشخصية، ما يخلق علاقة عاطفية قوية مع جمهورهم. فعندما يعرض المؤثر منتجًا ضمن سياق حياته اليومية، يصبح من السهل على المتابعين اتخاذ قرارات شراء مستندة إلى الثقة والارتباط العاطفي بالعلامة التجارية.

ثالثًا: التغليف والاسم التجاري كأدوات تسعير

يُعَد التغليف والاسم التجاري من العوامل الأساسية التي تُسهِم بشكل كبير في بناء القيمة المدركة للمنتج. فالقيمة التي يراها المستهلك لا تتحدد بالمنتج نفسه فحسب، بل تتداخل عوامل مثل التغليف الجذاب والاسم التجاري لتشكيل صورة المنتج في ذهن المستهلك.

يُعتبر التغليف أكثر من مجرد وسيلة لحماية المنتج؛ فهو أداة تسويقية رئيسة تُستخدم لجذب انتباه المستهلك وإيصال رسالة حول جودة المنتج. ويُعزز التغليف الفاخر، المصمم من مواد عالية الجودة، صورة المنتج في ذهن المستهلك؛ إذ يمكن لتغليف المنتج أن يرفع الانطباع عن قيمته، حتى وإن كانت مكونات المنتج الأساسية مشابهة للمنتجات الأخرى الأقل سعرًا. فعلى سبيل المثال، عند تصميم علبة منتج تجميلي باستخدام مواد فاخرة مثل الزجاج أو المعادن اللامعة بدلًا من البلاستيك العادي، يشعر المستهلك بأن المنتج أكثر فخامة، ويصبح مستعدًا لدفع سعر أعلى، حتى وإن كانت جودة المنتج الفعلية مماثلة للمنتجات الأقل تكلفة.

في المقابل، يلعب الاسم التجاري دورًا حيويًّا في رفع القيمة المدركة للمنتج. فعندما يرتبط المنتج بعلامة تجارية معروفة ومشهورة، تصبح القيمة المدركة أعلى بكثير مقارنة بالمنتجات التي تحمل أسماء تجارية غير معروفة؛ إذ يعتقد المستهلك أن المنتجات المرتبطة بعلامات تجارية مشهورة تستحق سعرًا أعلى، نظرًا لما تستثمره هذه العلامات من سمعة واحترام اجتماعي في قيمتها. وهذا النوع من الولاء للعلامة التجارية يعزز الانطباع الإيجابي حول المنتج، ويجعل المستهلك أكثر استعدادًا لدفع المزيد مقابل المنتجات التي تحمل أسماء تجارية معروفة.

كما أن العلامات التجارية الكبيرة غالبًا ما تستخدم استراتيجيات تسويقية لجعل الاسم التجاري جزءًا أساسيًّا من قيمة المنتج. على سبيل المثال، تعتمد الشركات على التصميم البسيط لمنتجاتها والابتكار المستمر في تقنيات التغليف لخلق انطباع فريد عن علامتها التجارية. وهذا يُسهِم في زيادة الولاء للعلامة التجارية؛ إذ يشعر المستهلك أن شراء المنتج لا يقتصر على اقتناء سلعة فحسب، بل يعكس اختيار أسلوب حياة يتميز بالتفرد والابتكار.

وبالتالي، يمكن للعلامات التجارية أن تؤثر بشكل كبير في السعر الذي يكون المستهلك مستعدًا لدفعه؛ إذ تعمل الشركات على تعزيز القيمة المدركة من خلال استراتيجيات تسويقية تجعل المستهلك يعتقد أن المنتج ذو جودة فائقة ويستحق السعر المرتفع، حتى وإن كان بعض المنافسين يقدمون منتجات مشابهة بأسعار أقل.

المصدر

رابعًا: ربط المنتج بأسلوب حياة أو فئة اجتماعية

تندمج العلامات التجارية التي تتبنى أسلوب الحياة في نمط حياة المستهلك الحالي أو في النمط الذي يسعى الفرد لتجسيده، كما ترتبط هذه العلامات التجارية بالعديد من جهود الإعلان والتسويق للوصول إلى الفئة المستهدفة التي تختارها. ولا تقتصر العلامات التجارية الخاصة بأسلوب الحياة على تقديم منتجات مادية فحسب، بل تسعى أيضًا إلى تمثيل القيم والمبادئ التي يتبناها المستهلكون؛ مما يجعلهم يشعرون بأن استخدام هذه العلامات التجارية يساعدهم في تحقيق هويتهم الشخصية وتعزيز مكانتهم الاجتماعية. ومن خلال هذه العلاقة، يبدأ المستهلكون في رؤية المنتج كجزء لا يتجزأ من أسلوب حياتهم؛ مما يُسهِم في تعزيز القيمة المدركة لهذا المنتج في نظرهم.

ويُولي متخصصو التسويق أهمية كبيرة للون في عملية التسويق؛ إذ إن البشر يمتلكون ردود فعل فورية تجاه ما يرونه، مثل الألوان والأشكال. فالألوان ليست مجرد سمات بصرية، بل هي وسيلة قوية لإيصال مشاعر معينة في أذهان المستهلكين. يمكن للألوان أن تُثير رد فعل سريع في الدماغ وتحمل رسائل محددة؛ حيث يحدث هذا التفاعل خلال أول 0.67 ثانية عند رؤية شيء ما. على سبيل المثال، قد يثير اللون الأحمر مشاعر الإثارة والتحفيز، في حين يرمز اللون الأزرق إلى الاستقرار والهدوء. ويُظهر هذا أن الشركات توظف الألوان بشكل استراتيجي لخلق شعور عاطفي محدد لدى المستهلك.

يمر الأفراد بتغيرات نفسية عند تعرضهم لألوان مختلفة. كما أن الألوان في التسويق لا تقتصر على نقل المعلومات فحسب، بل يمكنها جذب انتباه المستهلك والحفاظ عليه. وتُعد الألوان أداة مؤثرة تُسهِم في تعزيز القيمة المدركة للمنتج، وبالتالي في تشكيل صورة العلامة التجارية في ذهن المستهلك. كما يمكن لألوان شعارات العلامات التجارية المختلفة أن تؤثر على سلوك الشراء، إضافةً إلى أن متغيرات مثل العمر والجنس واللون المفضل قد تلعب دورًا في خيارات المستهلك.

كما تهدف العلامة التجارية لتجسيد تطلعات وقيم واهتمامات وآراء ومواقف مجموعة معينة من الناس أو ثقافة محددة لأغراض التسويق. كما أنها تخاطب القيم الأساسية للمستهلكين من خلال خصائصها المادية والرمزية. فعندما يستخدم المستهلك منتجًا من علامة تجارية لأسلوب الحياة، يأمل في تجسيد الصفات التي تمثلها هذه العلامات وتنشرها.

إن العلامات التجارية لأسلوب الحياة تُسهِم في توفير رابطة عاطفية قوية ومستدامة بين المستهلك والمنتج، تعمل على إلهام المستهلكين وتوجيههم بحيث تسهم منتجات هذه العلامات في تعزيز أسلوب حياتهم.

في جوهرها، لا تُعد العلامات التجارية لأسلوب الحياة مجرد وسيلة لبيع المنتجات، بل هي أداة للتعبير عن هوية الفرد وانتمائه إلى مجموعة معينة. فهي تساعد في تحديد أسلوب الحياة الذي يتبناه المستهلك، وتمكنه من تجسيد قيمه الاجتماعية.

خامسًا: خلق إحساس الندرة والتميز

تُعَد الندرة جانبًا متغلغلًا في حياة الإنسان وشرطًا أساسيًّا للسلوك الاقتصادي. وعلى الرغم من أن الأدبيات الأكاديمية في مجال التسويق وسلوك المستهلك لا تتناول إلا القليل نسبيًّا من الآثار النفسية للندرة، فقد افترض ممارسو التسويق منذ فترة طويلة أن الندرة تعزز القيمة المدركة للمنتجات والفرص. ولذلك، غالبًا ما يستخدم المعلنون عبارات مثل “إصدار محدود”، و”حتى نفاد الكمية”، و”لفترة محدودة فقط”، و”قطعة واحدة لكل عميل”. بالإضافة إلى ذلك، يشير مندوبو المبيعات غالبًا إلى أن “الكميات تتضاءل بسرعة”، أو إلى أن “هذه هي القطعة الأخيرة”.

إحدى النظريات النفسية التي تدعم هذا الافتراض حول تأثير الندرة على القيمة هي نظرية السلع. تُقدَّم هذه النظرية إلى أدبيات التسويق، وتستعرض الأبحاث الحالية المتعلقة بها، وتناقش آثارها التسويقية مع تقديم اقتراحات لأبحاث مستقبلية في مجال التسويق.

نظرية السلع تتناول الآثار النفسية للندرة، وينص مبدؤها على أن “قيمة أي سلعة تتناسب مع مدى عدم توفرها”. ومع ذلك، فإن الفهم الكامل لهذا المبدأ يتطلب تعريفًا موسعًا لثلاثة من مفاهيمها الأساسية، وهي: السلعة، والقيمة، وعدم التوافر.

ترتبط القيمة المدركة للسلعة بخصائصها الجوهرية، فلكي تُعتبر شيئًا ذا قيمة يجب أن تتوافر فيها ثلاثة شروط: أولًا، أن تكون مفيدة، فلا تُعد السلعة بالنسبة لشخص ما سلعةً إلا إذا كانت لها منفعة له. ثانيًا، أن تكون قابلة للتحويل من شخص لآخر، فالأشياء التي لا يمكن إعطاؤها للآخرين أو أخذها منهم لا تُعتبر سلعة. ثالثًا، أن تكون قابلة للامتلاك، فالأشياء التي لا يستطيع الشخص الوصول إليها لا تُعَد سلعًا بالنسبة له.

يُضفي هذا التعريف للسلع نطاقًا واسعًا يشمل العديد من الأمور ذات الاهتمام التسويقي. فجميع السلع والخدمات القابلة للتسويق تُعَد سلعًا وفقًا لهذا التعريف. حتى الأنشطة الترويجية مثل فعاليات التخفيضات والخصومات يمكن اعتبارها سلعًا لأنها تُنقل من البائعين إلى المستهلكين ولأنها تقدِّم نوعًا من المنفعة لهم.

أما القيمة فهي “قدرة السلعة على التأثير في المواقف والسلوك”. وبما أن للسلع منفعة إيجابية، فإن أي زيادة في قيمة السلعة تعزز من منفعتها المتصورة وتجعلها أكثر جاذبية وطلبًا. وبالتالي، يمكن مساواة مصطلح “القيمة” بمصطلحي “المنفعة” أو “الجاذبية”. ويهتم المسوّقون بجعل منتجاتهم وخدماتهم أكثر طلبًا وجاذبية؛ لذا فإن تنبؤات نظرية السلع حول تأثير الندرة على القيمة لها صلة مباشرة بأهدافهم.

وأخيرًا، يشير مفهوم عدم التوافر إلى الندرة وغيرها من القيود المفروضة على التوافر. وتوضح نظرية السلع أن الندرة تزيد من قيمة السلعة عبر تعزيز جاذبيتها ورغبة المستهلكين فيها؛ مما يمكِّن المسوِّقين من الاستفادة من هذه الآلية لتحقيق تأثير أكبر في السوق.

المصدر

تؤثر الأطر التنظيمية المتغيرة والتطورات التكنولوجية المتسارعة باستمرار على سلوك المستهلك وديناميكيات السوق؛ إذ تُحدث هذه العوامل تأثيرات كبيرة على حماية المستهلك، كما تتيح فرصًا وتفرض في الوقت ذاته تحديات على مسار صون حقوقه. ويمكن للحكومات حماية المستهلكين من خلال إقرار تشريعات أكثر كفاءة تتواءم مع السلوك البشري، بالاعتماد على علم السلوك كأداة أساسية لفهم الآليات النفسية المؤثرة في قرارات المستهلك، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل التحديات البيئية والاجتماعية.

أولًا: الشراء بدافع التقليد لا الاحتياج

غالبًا ما تظهر فجوة واضحة بين ما يمتلكه المستهلكون من معرفة وقيم ونوايا وبين سلوكهم الفعلي على أرض الواقع. ولا يكون إحداث تغيير في هذا السلوك بالأمر البسيط المتوقع؛ نظرًا لوجود عوائق هيكلية ونفسية متعددة تجعل من الصعب على المستهلكين تعديل مستوى استهلاكهم. وحتى في الحالات التي تتوافر فيها حوافز سعرية لتغيير السلوك، تظل الأسر إلى حدّ كبير غير مستجيبة لها، ولا تتبنى السلوكيات التي تهدف هذه الحوافز إلى تشجيعها. ولا يتشكل السلوك نتيجة الاستجابة للأسعار فحسب، بل يتأثر أيضًا بعوامل نفسية مثل التوقعات والعادات والتحيزات. وفي هذا السياق، تمثل الأعراف الاجتماعية والمقارنة مع الآخرين عوامل مؤثرة بقوة؛ إذ يميل الأفراد إلى تعديل سلوكهم عندما يعتقدون أن هذا هو السلوك السائد لدى غيرهم.

في هذا الإطار، تُعرِّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هشاشة المستهلك على أنها حالة قد تنشأ نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر على عملية اتخاذ القرار الاستهلاكي، وتُعد هشاشة المستهلك مفهومًا معقدًا ومتعدد الأبعاد. وتوضح المنظمة أن هشاشة المستهلك لا تقتصر بالضرورة على فئات محددة من المستهلكين، بل قد يختبرها الغالبية العظمى من المستهلكين تبعًا لعوامل السوق والظروف المحيطة. كما تشير تقارير المنظمة إلى أنه لا يمكن توقع أن يكون المستهلكون خبراء أو أن يتخذوا قرارات رشيدة في جميع معاملاتهم، وهو ما يعكس محدودية القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية كاملة في جميع السياقات الاستهلاكية. وتؤكد المنظمة كذلك أن المستهلكين يمتلكون قدرات ومعارف وخبرات وسمات شخصية مختلفة، بحيث لا يظهرون جميعًا السلوك نفسه.

علاوة على ذلك، يوضح تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن السلوك الإنساني لا يتشكل فقط نتيجة الاختيارات الفردية، بل يتأثر بدرجة كبيرة بالمعايير الاجتماعية السائدة؛ حيث قد لا يتصرف الأفراد دائمًا وفقًا لقناعاتهم أو معاييرهم الشخصية. ويشير التقرير إلى أن تأثير المعايير الاجتماعية في توجيه السلوك غالبًا ما يكون أقوى من تأثير المعايير الفردية، خاصة في البيئات الجماعية. كما يبرز التقرير ما يُعرف بتأثير «العدوى السلوكية»، الذي تنتقل من خلاله أنماط السلوك بين الأفراد عبر التفاعل داخل الجماعات. ويؤكد أيضًا أن المعتقدات التي تتكون بفعل الأفكار والروايات السائدة تلعب دورًا محوريًّا في تشكيل السلوك الإنساني وتوجيهه.

ثانيًا: تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على قرارات الشراء

من طلب المستلزمات المنزلية إلى شراء أحدث صيحات الموضة، أعاد الإنترنت تشكيل طريقة ووقت ومكان قيام الأفراد بعمليات الشراء. وفي الوقت نفسه، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة مهمة للمستهلكين؛ حيث يتابع بعض الأمريكيين –ولا سيما فئة الشباب– المؤثرين ويعتمدون عليهم للحصول على التوصيات. فبعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي لا يكتفون بمتابعة المؤثرين فحسب، بل يسترشدون أيضًا بحساباتهم في توجيه قراراتهم الشرائية.

وفي الآونة الأخيرة، لوحظ أن وسائل التواصل الاجتماعي تمارس تأثيرًا إيجابيًّا على سلوك الشراء لدى المستهلكين؛ حيث يعتمد العديد من المؤسسات على هذه المنصات للترويج للمنتجات والخدمات. كما تشير الدراسات إلى أن فهم سلوك الشراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُعد أمرًا بالغ الأهمية؛ نظرًا للاعتماد المتزايد للمستهلكين على هذه المنصات عند اتخاذ قرارات الشراء. وتوضح النتائج أن منصات التواصل الاجتماعي برزت كأدوات مؤثرة في تشكيل سلوك المستهلك؛ إذ يزداد تفاعل المستهلكين معها بوتيرة متسارعة. كما أظهرت البيانات أن عددًا كبيرًا من المشاركين أفادوا أنهم قاموا بشراء منتجات نتيجة التأثير الذي تمارسه هذه المنصات.

كما أصبحت المنصات الرقمية، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، بنية أساسية لا غنى عنها لكل من المستهلكين والشركات؛ إذ توفّر بنية تحتية للتجارة الإلكترونية والإعلان والتفاعل مع المستهلكين. وترتبط الممارسات التجارية في الاقتصاد الرقمي، وخصوصًا الإعلانات عبر الإنترنت، بتأثير مباشر على سلوك المستهلك؛ مما يثير مخاوف تتعلق بحماية المستهلك. ومن المفترض أن يتخذ المستهلكون قراراتهم بناءً على المعلومات المقدمة لهم، إلا أن وفرة المعلومات في البيئة الرقمية قد تؤدي إلى سوء الفهم وتؤثر في قرارات الشراء. كما يمكن أن تُصمَّم طرق تواصل المنصات الرقمية مع المستهلكين بطريقة تدفعهم إلى اتخاذ قرارات دون وعي كامل. وفي ظل الأسواق الرقمية شديدة التركّز، قد لا يضمن الإفصاح الكامل أو فهم المعلومات قدرة المستهلك على الاختيار بحرية.

المصدر

ثالثًا: الخوف من تفويت التجربة (FOMO)

يُعرَّف الخوف من تفويت التجربة (FOMO) بأنه شعور بالقلق المستمر ناجم عن الاعتقاد بأن الآخرين قد يخوضون تجارب أو أنشطة مجزية لا يكون الفرد جزءًا منها. يرتبط هذا الشعور بعدد من الآثار النفسية السلبية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والاضطرابات العصبية، كما يعكس مشاعر الإقصاء الاجتماعي ويزداد وضوحًا خلال مرحلة المراهقة نظرًا لحساسية الأفراد لمكانتهم الاجتماعية وعلاقاتهم بالأقران، وتلعب المقارنة الاجتماعية دورًا رئيسًا في ذلك.

ويُظهر الخوف من تفويت التجربة تأثيرًا مباشرًا على اتخاذ القرار؛ إذ يدفع الأفراد إلى إبقاء خياراتهم مفتوحة خشية فقدان فرص قد تكون أكثر قيمة أو إشباعًا؛ مما قد يعزز الانخراط في سلوكيات اندفاعية أو محفوفة بالمخاطر. ويُعَد هذا الشعور بناءً نفسيًّا معقدًا يتم الحفاظ عليه من خلال الرغبة في الارتباط الاجتماعي والخبرات المكافئة التي يسعى الفرد لاكتسابها.

يشير تقرير “قل لا للخوف من تفويت التجربة” (NO GO to FOMO) التابع لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلى أن هذا الشعور شائع بين معظم الأفراد في مواقف حياتية مختلفة، سواء في المشاركة في أنشطة رائجة أو اغتنام فرص يقبل عليها الآخرون. كما يوضح التقرير أن رؤية الآخرين، سواء من الأقران أو الشخصيات العامة والمؤثرين، وهم يُقبلون على فرص معينة قد تولّد ضغطًا نفسيًّا يدفع الفرد لاتخاذ قرارات بدافع الخوف من التخلف عن الركب، رغم أن ما يناسب الآخرين قد لا يكون مناسبًا للجميع. ويؤكد التقرير أن اتخاذ القرارات استجابةً للخوف من تفويت التجربة، خاصة تحت تأثير الاتجاهات السائدة وضغط الجماعة، ليس مسارًا سليمًا، مشيرًا إلى أهمية عدم السماح لهذا الشعور بالسيطرة على سلوك الفرد أو توجيه قراراته.

رابعًا: الربط بين السعر المرتفع والقيمة المرتفعة

يؤدي السعر دورًا يتجاوز كونه مجرد قيمة نقدية؛ إذ يسهم في تشكيل تصورات المستهلك حول الثقة والجودة. وقد تؤدي طريقة عرض السعر إلى زيادة حالة عدم اليقين وتقويض الموثوقية عندما تفتقر إلى الشفافية، في حين يُسهِم وضوح السعر في تحسين جودة القرار ورفع مستوى الرضا. كما تُظهر الأدلة التجريبية أن إدراك السعر المرتفع لا يقود بالضرورة إلى سلوك استهلاكي غير عقلاني، بل يخضع لعملية تقييم واعية يستخدم فيها المستهلك السعر بوصفه إشارة محتملة ضمن مجموعة من المؤشرات الأخرى. وقد جرى تقييم النسخ التي تعرض معلومات سعرية كاملة على أنها أفضل في جميع الجوانب، في حين أبدى المشاركون الذين اطّلعوا على تسعير غير مكتمل شعورًا أكبر بعدم الرضا عن اختياراتهم، وميلًا أقل للحجز عبر موقع مشابه مقارنة بمن قُدِّمت لهم معلومات سعرية كاملة.

كما يُعَد السعر من أكثر العوامل تأثيرًا في تصورات المستهلكين تجاه المنتجات؛ إذ قد يُفسَّر السعر المرتفع بوصفه دلالة على جودة أعلى. كما يرتبط السعر الأعلى لدى المستهلكين بمعانٍ إيجابية تتعلق بالتميّز والمكانة، ويُستخدم في عملية اتخاذ القرار الشرائي كمعيار ذهني لتقدير القيمة المتوقعة للمنتج. ويزداد اعتماد المستهلك على السعر كمؤشر للقيمة والجودة في الحالات التي تغيب فيها مؤشرات أخرى واضحة لتقييم المنتج، وهو ما يعكس اعتقادًا شائعًا بوجود علاقة إيجابية بين ارتفاع مستوى السعر وتقييم جودة المنتج.

المصدر

أولًا: الاستهلاك الواضح: تعريفه وأصوله

على امتداد التاريخ البشري، كان اقتناء السلع المادية يخدم وظيفتين: عملية ورمزية. فالوظيفة العملية ترتبط عادةً بتأمين الاحتياجات الأساسية أو زيادة مستوى الراحة. فمثلًا، قد يبدأ الإنسان ببناء مسكن بسيط يحميه من العوامل الطبيعية، ثم ينتقل إلى بناء منزل أكثر راحة وجودة. وفي بعض الحالات، يتطور الأمر إلى تشييد منازل فاخرة بهدف إظهار المكانة الاجتماعية أو التميز عن الآخرين.

هذه الخطوة الثالثة ليست ضرورية بالمعنى العملي؛ فالقصر أكبر بكثير مما هو مطلوب لاستيعاب الأسرة التي تبنيه، لكنه يخدم وظيفة رمزية حيوية؛ إذ يعلن للعالم أن مالكه لديه إمكانية الوصول إلى المزيد من الموارد، سواء كانت أموالًا أو مواد خام أو أراضي، أكثر من الآخرين. ويُعرف الحصول على مثل هذه السلع بـ«الاستهلاك الواضح»؛ إذ إن السلع المكتسبة ليست مطلوبة بالمعنى الحقيقي، بل يتم الحصول عليها ليتمكن الآخرون من رؤيتها والإدراك أنهم أنفسهم إما لا يملكونها أو لا يستطيعون الحصول عليها. وتهدف هذه العملية إلى إعلام الآخرين بتفوق المشتري.

حتى القرن التاسع عشر تقريبًا، كان الاستهلاك الواضح يمارس فقط من قبل الأثرياء، الذين شكلوا جزءًا صغيرًا جدًّا من المجتمع. وكان السبب في ذلك أن معظم المجتمعات كانت تتألف من طبقة صغيرة حاكمة من النبلاء، ومجموعة كبيرة من الفقراء والخدم. ومع وصول الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بدأت الطبقة الوسطى في الظهور ثم توسعت لاحقًا، وبدأت هذه الطبقة أيضًا في ممارسة الاستهلاك الواضح؛ مما أثار قلق العديد من المراقبين الذين وصفوه أحيانًا بـ«الاستهلاك البغيض» واعتبروه مرضًا اجتماعيًّا.

الاستهلاك الواضح بطبيعته مضيعة للموارد؛ إذ ينطوي على الحصول على سلع لا يحتاج إليها المرء. ورغم أن هذه السلع غير ضرورية، فإن إنتاجها يتطلب موارد طبيعية وعمالة بشرية، ونقلها إلى السوق غالبًا ما يُسهم أيضًا في التلوث البيئي. إن استخدام كل هذا الجهد وزيادة العبء على البيئة للقيام بعمل بلا فوائد ملموسة يُنظر إليه على أنه تبذير على أقل تقدير، وفي أسوأ الأحوال يمثل تهديدًا مباشرًا للنظام البيئي للأرض.

ثانيًا: نظرية فيبلين للاستهلاك الواضح

هنا جاءت نظرية فيبلين للاستهلاك الواضح، التي قدمها الاقتصادي ثورشتاين فيبلين في عمله «نظرية الطبقة الترفيهية» عام 1899. تدرس النظرية الطرق التي يستخدم بها الأفراد الاستهلاك للإشارة إلى وضعهم الاجتماعي، وتفترض أن الناس ينخرطون في استهلاك واضح، أي شراء واستخدام السلع الفاخرة كوسيلة لإظهار الثروة والهيبة الاجتماعية. ويجادل فيبلين بأن هذا السلوك لا يقتصر على إشباع الاحتياجات، بل يُحفَّز بالرغبة في الاعتراف الاجتماعي والتمايز عن الآخرين. وقد أصبح هذا واضحًا بشكل خاص منذ ظهور الطبقة الوسطى؛ إذ يتحول إلى نوع من المنافسة؛ حيث يرى الناس استهلاك الآخرين الواضح ثم يحاولون «مواكبة جونز» من خلال الانخراط في استهلاك واضح خاص بهم.

الساحة الكلاسيكية التي تُلعب فيها هذه الديناميكية التنافسية هي حي الضواحي؛ حيث تقرر عائلة واحدة إجراء تحسين مرئي، مثل إضافة امتداد إلى المنزل أو شراء سيارة جديدة، وبعد فترة قصيرة يحذو الآخرون في الحي حذوهم. هذه المنافسة لها في النهاية تأثير ضار على العلاقات الاجتماعية؛ إذ يبدأ الناس في النظر بعضهم إلى بعض ليس كأصدقاء أو أعضاء في المجتمع، بل كمنافسين أو حتى أعداء في سباق مستمر للحصول على أكبر قدر من الممتلكات. وقد أعرب الكثيرون عن قلقهم من أنه على مدى فترات طويلة، ستؤثر القدرة التنافسية الناتجة عن الاستهلاك الواضح سلبًا على نسيج المجتمع وتزيد من مستويات العداء والإجهاد بين الأفراد.

ثالثًا: الاستهلاك والوضع الاجتماعي

ويسلط هذا المفهوم الضوء على دور المعايير الاجتماعية والتوقعات الثقافية في تشكيل سلوك المستهلك؛ مما يشير إلى أن الأفراد غالبًا ما يستمدون هويتهم وقيمتهم الذاتية من خيارات الاستهلاك الخاصة بهم. وتعكس رؤى فيبلين نقدًا للاستهلاكية وللبنية الاجتماعية التي تشجع الأفراد على السعي للتحقق من صحتهم الاجتماعية من خلال الممتلكات المادية.

ولا تزال النظرية ذات صلة اليوم؛ إذ تساعد على تفسير سلوكيات المستهلك المعاصرة في مجتمع يتم تعريفه بشكل متزايد من خلال ثقافة العلامات التجارية ورموز الحالة الاجتماعية. وبشكل عام، يدعو عمل فيبلين إلى التفكير في الدوافع الكامنة وراء الاستهلاك، وإلى دراسة آثاره على الديناميكيات الاجتماعية.

رابعًا: نظرية بورديو ورأس المال الثقافي

يصف بورديو كيفية هيمنة الأذواق الثقافية للطبقة الحاكمة على أذواق الطبقات الدنيا. من خلال التنشئة الاجتماعية والاستيعاب المبكر، يتم تعليم الأطفال تفضيل أنواع معينة من الطعام والموسيقى والفن وأنماط الحياة والأذواق التي تتوافق مع وضعهم الاجتماعي. عمليًّا، عندما يلتقي أشخاص من طبقات أو ثقافات مختلفة، قد يجدون طعام الآخر “مثيرًا للاشمئزاز”، ويواجه الأشخاص من الطبقات الدنيا خطر الرفض المجتمعي، وقد يُتهمون بالظهور بمظهر مبتذل.

ويعمل بورديو على تفعيل مفهوم الطبقة وفق مستويات رأس المال، مميزًا بين رأس المال الثقافي ورأس المال الاقتصادي. إن امتلاك رأس المال الثقافي (مثل التعليم والذوق) يُعَد عنصرًا رئيسًا في الآلية التي تضمن إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية. كما أن رأس المال الثقافي والاقتصادي هما قدرات مستقلة؛ ما يعني أن الثروة وحدها لا تكفي لجعل الفرد مقبولًا لدى الطبقة الحاكمة، وقد يفتقر الأشخاص ذوو رأس المال الثقافي العالي إلى رأس المال المالي.

المصدر

خامسًا: النزعة الاستهلاكية في القرن العشرين

من الظواهر المماثلة والمرتبطة بالاستهلاك الواضح ظاهرة النزعة الاستهلاكية؛ إذ يسلط الاستهلاك الواضح الضوء على البعد الاجتماعي لهذه النزعة. وتعود جذور النزعة الاستهلاكية إلى التحولات الجذرية التي شهدها العالم خلال الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما بدأت المجتمعات الأوروبية بالانتقال من نمط الإنتاج الزراعي التقليدي إلى نمط الإنتاج الصناعي المكثف. ولم يقتصر هذا التحول على أساليب الإنتاج فحسب، بل أحدث أيضًا تغييرات جذرية في البنية الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ مكّن الإنتاج الضخم من خفض تكاليف السلع وزيادة توفرها؛ مما مهد لظهور ثقافة جديدة تتمحور حول الشراء والاستهلاك.

وقد ظهرت بوادر سلوك استهلاكي جديد مع بروز المدن الصناعية ونمو طبقة عاملة واسعة؛ حيث اعتمدت هذه الطبقة الاجتماعية على التنافس في اقتناء المنتجات وتحسين مستوى المعيشة. وفي القرن العشرين، تسارعت هذه النزعة بشكل ملحوظ نتيجة تطور وسائل الإعلان والدعاية، وانتشار ثقافة التسوق الجماهيري، وتوسع نظام الائتمان الذي سهَّل على الأفراد شراء ما يفوق قدرتهم الفعلية على الدفع. وتم ترسيخ قيم الاستهلاك كوسيلة للتعبير عن الذات والانتماء الاجتماعي، لتتحول النزعة الاستهلاكية من ظاهرة اقتصادية إلى نمط حياة متكامل.

سادسًا: النزعة الاستهلاكية والنمو الاقتصادي

تؤدي النزعة الاستهلاكية دورًا محوريًّا في دفع النمو الاقتصادي وازدهار الشركات في الاقتصاد الذي يركز على المستهلك، من خلال خلق الطلب على المنتجات والخدمات، وتحفيز الابتكار والمنافسة، لتصبح دورة الإنتاج والاستهلاك والاستثمار المحرك الرئيس للازدهار الاقتصادي. ورغم ذلك، فإن هذا النموذج لا يخلو من التحديات؛ إذ يؤدي غالبًا إلى قضايا مثل الاستهلاك المفرط، وتراكم الديون، وعدم المساواة الاقتصادية.

ويرى الاقتصاد الكلي الكينزي أن تعزيز الإنفاق الاستهلاكي عن طريق السياسة النقدية والمالية يُشكّل هدفًا رئيسًا لواضعي السياسات الاقتصادية؛ حيث يشكّل الإنفاق الاستهلاكي الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي وإجمالي الطلب، ولذلك يُنظر إلى زيادة نسبة الإنفاق الاستهلاكي على أنها أكثر الطرق فعالية لدفع الاقتصاد نحو النمو.

كما تنظر النزعة الاستهلاكية إلى المستهلك باعتباره هدفًا للسياسة الاقتصادية، ووصفته بأنه “كالدجاجة التي تبيض ذهبًا” بالنسبة لقطاع الأعمال، مع القناعة التامة بأن زيادة الاستهلاك يمكن أن تُفيد الاقتصاد. هذا، ويمكن اعتبار الادخار ضارًا بالاقتصاد إذا جاء على حساب الإنفاق الاستهلاكي الفوري.

سابعًا: النقد الاقتصادي والاجتماعي للاستهلاك المفرط

ومن منظورٍ ناقد، لا يُنظر إلى تصاعد النزعة الاستهلاكية على أنه محرك للنمو الاقتصادي بقدر ما يُعَد عاملًا مهددًا للاستدامة الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ يرى هذا الاتجاه أن هيمنة ثقافة الاستهلاك تؤدي إلى اختلالات هيكلية تمس أساسيات النمو طويل الأجل؛ حيث تُضعف المقومات الأساسية للنمو مثل الادخار والاستثمار. فالدخل القومي يُشكّل محصلة الاستهلاك والادخار، وزيادة الاستهلاك غالبًا ما تكون على حساب الادخار الذي يُسهم في تعزيز التكوين الرأسمالي؛ مما يدعم بدوره زيادة الإنتاج والتشغيل. وتشير الأدلة إلى أن البلدان ذات معدلات الادخار المرتفعة قد نمت بصورة أسرع من البلدان ذات المعدلات المنخفضة.

كما أن التركيز المفرط على تعظيم الاستهلاك كهدف رئيس في حياة الفرد يحول دون قدرته على التضحية من أجل الآخرين، وهو أثر ينعكس سلبًا على نصيب الأجيال القادمة من الموارد. إضافة إلى ذلك، تؤدي سيادة السلوك الاستهلاكي إلى تضاعف الحاجات البشرية بما يتجاوز قدرة الموارد المتاحة لتلبيتها؛ مما يُسهم في ارتفاع الأسعار وخلق بيئة غير صحية أمام المنتج المحلي، ويعرضه للانهيار، وهو ما يكرس بدوره مفهوم التبعية والاعتماد على الآخرين بدلًا من الاعتماد على الذات.

خاتمة

يُبرز اقتصاد المبالغة كيف يمكن للمنتجات العادية أن تُسعَّر بأسعار غير عادلة عبر تضخيم القيمة المدركة، ما يؤثر على سلوك المستهلك ويعزز النزعة الاستهلاكية والاستهلاك الواضح، مع انعكاسات اقتصادية واجتماعية ملموسة على المجتمع والبيئة؛ مما يستدعي تبني وعي استهلاكي رشيد وتشجيع الشركات على التسويق العادل والمستدام.

لم يعُد «اقتصاد المبالغة» مجرد ظاهرة تسويقية، بل أصبح له أثر اقتصادي كلي واضح يتمثل في تعميق فجوة الاستهلاك والدخل، وزيادة المخاطر المرتبطة بالاستقرار المالي للأفراد.

المصدر

Leave A Reply

Your email address will not be published.